محمود ماضي
34
الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده
ولكن المستشرق غفل أن العمل الفكري في تراثنا عملا جماعيا ، لم يحدث باجتماع المفكرين معا في حلقة بحث واحدة ، بل عمل جماعي قامت به الحضارة الناشئة من مركز واحد وهو الوحي ، وكأن الوحي المتحول إلى حضارة هو الذي يضفى على المؤلفين من وحدتهم ، ويجعلهم جميعا وسائل يظهر هو فيها من خلالهم . هدف الباحث - المسلم - إذن ليس الإخبار والتعريف بل إرجاع الظواهر الفكرية إلى أصولها الأولى التي خرجت منها - الكتاب والسنة - لمعرفة كيفية خروجها منها ومحاولة العثور على منهج أو مناهج دائمة ومتكررة يمكن بواسطتها العثور على منهج إسلامي عام . أما الفهم الغربى للمنهج التاريخي ، فإنه « يقضى على وحدة الظاهرة واستقلالها . ويرجعها إلى عناصر مادية وإلى عوامل تاريخية مع أن هذه العناصر المادية إن هي إلا عوامل للفكر وليست مصدرا لموضوعاته فالطبيعة لا تنتج فكرا » « 1 » . هذه كلها تفعل فعلها في حقل الدراسة الاستشراقية وتمسك بتلابيب الباحث ، فلا يستطيع منها فكاكا ، فضلا عما تفرضه مكونات البيئة في الزمان والمكان من مؤشرات قد تصلح لهذا القرن ولكنها لا تصلح البتة لقرن مضى أو واقعة تاريخية سبق وأن تخلقت في بيئة أخرى . . في مكان آخر وزمان غير الزمان . وهي مؤشرات قد تكون كذلك خاطئة أو مضلّلة ، لكن المستشرق ، ابن القرن العشرين يتشبث بها ويعض عليها بالنواجز معتقدا أنها مفاتيح الحل ومفردات المنهج العلمي السليم « 2 » . استخدم الأوربيون المنهج التاريخي لدراسة المسيحية ودراسة المؤثرات الخارجية على نصها الديني ، كالبابلية والأشورية والفنوصية ، ويبيح هذا المنهج للباحث الكشف عن العناصر الأساسية التي ساعدت على تكوين المسيحية الأولى - عهد بولس - ، وعندما يطبق المستشرق هذا المنهج على الظواهر الفكرية الإسلامية - والتي هي في حقيقتها ليست مادية ، أي أنها موضوعات مستقلة وليست موضوعات تاريخية - تأتى نتائجه غير صحيحة لأنه يحيل كل شئ إلى ظواهر تاريخية ، وطبقا لهذا المنهج ينكرون نبوة محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » ويصنفونه مع حكماء الفرس وذلك عندما يعقدون المقابلات بينه وبين زرادشت ومانى . وهكذا يصبح هذا المنهج أداة لمحو نبوة محمد وتفسيرها ضمن النبوءات الأخرى التاريخية . وهو بذلك يقوم على فكرة مسبقة
--> ( 1 ) - د . حسن حنفي : السابق ص 94 . ( 2 ) - د . عماد الدين خليل : المستشرقون والسيرة ، ص 66 مصدر سابق .