محمود ماضي
30
الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده
هذا مع الأحكام الجزافية بتلفيق الأسانيد ووضعها لتأييد الآراء المسبقة ؟ أما رأى الدكتور بدوي ، فله اعتباره لأنه صادر عن أستاذ ، باحث ، منهجى ، له باع طويل في الدراسات الإسلامية والاستشراقية . وإلى سوء النية والقصد لدى بعض المستشرقين يشير « واط » فيقول « . . . وإذا حدث أن كانت بعض آراء العلماء الغربيين غير معقولة عند المسلمين ، فذلك لأن العلماء الغربيين لم يكونوا دائما مخلصين لمبادئهم العلمية ، وأن آراءهم يجب إعادة النظر فيها من وجهة النظر التاريخية الدقيقة « 1 » . ومع أن هذه شهادة من « واط » تستحق التقدير ، إلا أنه لم يستطع « الفكاك من نقاط الشد الأخرى التي تمسك بتلابيب العقل الغربى : النزوع العلمانى والمسلمات المادية والرؤية الوصفية . . » « 2 » . المستشرق الموضوعي هو الذي يبدأ في عرض موضوع بحثه من وجهة نظر أهله وأتباعه كما يعتقدونه . فمثلا : القرآن بالنسبة للمسلم هو كلام اللّه - جل وعلا - الأزلي ، غير المخلوق ، أوحاه اللّه تعالى عن طريق جبريل الأمين إلى نبيه محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » ومحمد ليس نبيا ورسولا فحسب وإنما خاتم الأنبياء . هكذا دون ما حذف أو إضافة ، ثم يعرض لرأيه إما بالموافقة أو بالمعارضة . المهم : يضع الحقيقة - من وجهة نظر المسلمين - مقترنة برأيه هو ، أمام القارئ فلا يمارس عليه ضغطا بتشويه ثم بوضع رأيه بمقتضى هذا التشويه . « غير أن هذا المنهج المنطقي والطبيعي في العرض قلما يتبع - مع الأسف الشديد - إذ أن الحقائق كثيرا ما تحرّف فيتعرض القارئ نتيجة لذلك - إذا لم يكن على علم واسع - إلى شئ من الإيحاء برأي معين أو أنه يتعرض في الأقل إلى اختلاط في الأمور تجعله عاجزا عن التمييز بين الأصل المتوارث لدى جماعة المسلمين وبين رأى الكاتب . وهكذا نجد كثيرا من المستشرقين الذين يحمّلون غيرهم أعباء معارفهم الخاصة ، يهملون ملاحظة أية مبادئ أولية يفترضها المنهج العلمي في معالجة المسائل التاريخية ، فهم يؤكدون مثلا : أن القرآن من إنشاء محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » ، ثم يذهبون مذهبا بعيدا في تأسيس الأحكام التاريخية والعقيدية والأدبية وغيرها على هذا التأكيد ، وسرعان ما ترتفع هذه التأكيدات بمجرد التكرار إلى مرتبة الحقائق الثابتة « 3 » » .
--> ( 1 ) - واط : السابق ص 6 . ( 2 ) - د . عماد الدين خليل : السابق ص 68 . ( 3 ) - د . طيباوى : المستشرقون الناطقون بالإنجليزية ص 29 .