محمود ماضي

31

الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده

لا شك أن هناك فرقا أساسيا بين العلوم المادية وبين العلوم الإنسانية ، فإن « كلا من الملحد والروحاني يتفقان على تحليل قطعة الصوديوم كلورايد ( الملح ) ولكن شتان بين رأييهما حول الذات الإنسانية » « 1 » ومن ثم تتباين مناهج هذه العلوم . غير أن جل المستشرقين وقع في هذا الخطأ باعتبار أن مناهجهم « 2 » تقوم على دراسة الظاهرة الفكرية كظاهرة مادية خالصة ، وكتاريخ خالص مكون من شخصيات وأنظمة اجتماعية وحوادث تاريخية محضة ، يمكن فهمها بتحليلها إلى عوامل مختلفة سياسية واقتصادية واجتماعية تحدد نشأتها وطبيعتها ، وهكذا تفقد الظاهرة طابعها المثالي ، وتنقطع عن أصلها في الوحي وتصبح ظاهرة مادية خالصة . وسبب هذا الخطأ أن جل المستشرقين يهود ونصارى وهم ينكرون الوحي إلى نبينا محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » ، فاليهود ينكرون الوحي إلى عيسى ومحمد - عليهما السلام - بينما النصارى ينكرونه إلى محمد ، وهذا في حد ذاته يعد حاجزا نفسيا . أمام إرجاع ما يدرسونه من إسلاميات إلى أصولها في الكتاب والسنة - بل إن هذا الحاجز تأدى بهم إلى إرجاع الوحي القرآني إلى نتاج تاريخي « 3 » . من ناحية أخرى فإن المستشرق ابن بيئته التي تربى فيها ورضع لغتها وثقافتها ومناهجها . نقصد أن هذه المناهج جاءت بعد خيبة الأمل التي حصلت - لهم - من كشف أخطاء الموروث - عندهم - وكل مصدر سابق للمعرفة باسم الوحي أو الدين نتيجة تسلط الكنيسة باسم الدين وحدوث الخلاف بين العلم والدين في الغرب ، ثم الحملة على الدين بصفة عامة - مع أنهم لم يكونوا قد عرفوا الإسلام - مع أن الخلاف كان بين العلماء وبين تفسيرات دين الغرب . وقد ترتب على ذلك ، فضلا عن الثقة المطلقة في المعرفة العقلية ، ظهور أو انتعاش المذاهب المادية وسيادتها بظهور المذهب الوضعي على يد أوجست كونت في القرن التاسع عشر ، فأصبح - من وجهة نظرهم - كل فكر تاريخا ، وكل وحى أصبح من نتاج البيئة وفعل الأساطير وإسقاطات الشعوب « 4 » . إن الصدام التقليدى بين الدين والعلم - في أوروبا - نتاج من نتاج القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وهما العصران اللذان ظهرت فيهما العلوم الحديثة . وبعد ظهور هذه

--> ( 1 ) . 7 . p ( 1961 ) Mantheunknown : CarleL ( 2 ) - اعتمدنا في هذا الجزء على كتاب : التراث والتجديد للدكتور حسن حنفي مكتبة الجديد . القاهرة . ( 3 ) - د . حسن حنفي : التراث والتجديد ص 80 - 82 مكتبة الجديد القاهرة . ( 4 ) - وحيد الدين خان : الدين في مواجهة العلم ص 50 كتاب المختار الإسلامي القاهرة 1978 م .