محمود ماضي
15
الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده
أما صاحب كتاب « الاستشراق » فيضع مفهوما آخر للاستشراق من واقع الاستشراق ، فينظر إليه نظرة شمولية فالاستشراق « ليس مجرد موضوع أو ميدان سياسي ينعكس بصورة سلبية في الثقافة ، والبحث ، والمؤسسات ، كما أنه ليس مجموعة كبيرة ومنتشرة من النصوص حول الشرق ، كما أنه ليس معبرا عنه ، وممثلا لمؤامرة إمبريالية غربية شنيعة لإبقاء العالم الشرقي حيث هو . بل إنه بالحرى ، توزيع للوعى الجغراسى ( أي الجغرافي السياسي ) إلى نصوص جمالية ، وبحثية واقتصادية ، واجتماعية ، وتاريخية ، وفقه لغة ، وهو إحكام لا لتمييز جغرافى أساسي وحسب ( العالم يتألف من نصفين غير متساويين ، الشرق والغرب ) بل كذلك لسلسلة كاملة من المصالح التي لا يقوم الاستشراق بخلقها فقط ، بل بالمحافظة عليها أيضا بوسائل كالاكتشاف البحثى ، والاستبناء فقه اللغة ، والتحليل النفسي والوصف الطبيعي والاجتماعي ، وهو إرادة ، بدلا من كونه تعبيرا عن إرادة ، معينة أو نية معينة لفهم ما هو بوضوح ، عالم ( أو بديل طارئ ) والسيطرة عليه أحيانا ، والتلاعب به ، بل حتى ضمه ، وهو قبل كل شئ إنشاء ليس على الإطلاق على علاقة تطابقية مباشرة مع القوة السياسية في شكلها الخام ، بل إنه لينتج ويوجد في تفاعل غير متكافئ مع مختلف أنماط القوة مكتسبا شكله إلى حد ما من تفاعله مع القوة السياسية ، كما هي الحال في تفاعله كمؤسسة استعمارية أو إمبريالية ، والقوة الفكرية ، كما هي الحال مع علوم تحتل مركز الصدارة مثل الألسنية المقارنة ، وعلم التشريح المقارن ، أو أي من علوم السياسة الحديثة ، والقوة الثقافية : كما هي الحال مع المذاهب السنية الأرثوذكسية ، وشرائع الذوق والنصوص والقيم ، والقوة الأخلاقية : كما هي الحال مع أفكار تدور حول ما نفعله « نحن » ، وما يعجزون « هم » عن فعله أو فهمه ، كما نفعله « نحن » ، وبالفعل ، فإن منظومتى الحقيقة هي أن الاستشراق لا يمثل ببساطة بعدا هاما من أبعاد الثقافة السياسية - الفكرية الحديثة ، بل إنه هو هذا البعد ، وهو بهذه الصورة أقل ارتباطا بالشرق منه بعالمنا نحن . . . » « 1 » . الاستشراق - إذا - ليس محصورا في الجوانب الأكاديمية في جامعات الغرب ، أو في جوانب الفكر والأدب والشعر . والاستشراق لا يمثل إرادة المستعمر بل هو هذه الإرادة ، ولما كان الفكر يسبق العمل ، كان النظر إلى الاستشراق بمعزل عن السياسة ،
--> - الأولى على كتاب الأغانى للأصفهاني ، فشوهوا تاريخنا من خلاله ، فهارون الرشيد الذي كان يحج عاما ويجاهد عاما والذي شهدت بلاد الإسلام نهضة علمية رائعة في عصره صوروه زير نساء ( ! ) فأي خدمة تلك التي قدمها المستشرقون ؟ . ( 1 ) - إدوارد سعيد : الاستشراق ص 46 - 47 .