محمود ماضي

16

الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده

أقصد بمعزل عن قوى الاستعمار يعد خطا كبيرا . المستشرق - إذا - ينتمى إلى الغرب ، ولو كان يابانيا أو هنديا أو إندونيسيا لما استحق أن يوصف بالمستشرق لأنه شرقي بحكم مولده وبيئته وحضارته . . . وليس من الضروري أن يرحل المستشرق - فيما يقول الدكتور الخربوطلى - إلى الشرق ليعيش فيه أو ليتطبع بطباعه أو حضارته ، فقد يقوم بدراسته في جامعته الغربية أو في وطنه ، وإن كان رحيله إلى الشرق يجعل دراسته أكثر فائدة وأقرب إلى الواقعية ، وليس من الضروري أن يعتنق هذا المستشرق الإسلام أو أحد الأديان السائدة في الشرق ، كما أنه ليس من الضروري أيضا أن يتحدث باللغات الشرقية ، وإن كان الإلمام بها أو إجادتها يعينه كثيرا في دراسته وأبحاثه « 1 » . غير أننا نتساءل : كيف يتسنى لباحث جاد ، غير عربى - أي غير شرقي - أن يدرس الإسلام : سواء أكانت العقيدة أو الشريعة أو التاريخ . . . كيف يتسنى له ذلك إذا لم يكن يجيد العربية ؟ كيف يتسنى له دراسة القرآن وهو يجهل لغة القرآن ؟ من هنا شدد البعض على ضرورة إتقان المستشرق لغة القوم الذين يقوم بدراستهم ، فليس « صاحب علم الشرق الجدير بهذا اللقب بالذي يقتصر على معرفة بعض اللغات المجهولة أو أن يستطيع أن يصف عادات بعض الشعوب ، بل إنه من جمع بين الانقطاع إلى درس بعض أنحاء الشرق ، وبين الوقوف على القوى الروحية الأدبية الكبيرة التي أثرت على تكوين الثقافة الإنسانية « 2 » . وأخيرا ، فإن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن : ما معنى أن يوجد في بلادنا أناس من بنى جلدتنا ، ولكنهم يحملون فكر المستشرقين ، يرددون ما يقولون ، ويدعون إلى ما يدعون ؟ هل هو الشعور بالنقص أمام زحف الحضارة الغربية وعجز العالم الإسلامي وانهياره من جراء صدمة عنيفة أحدثها الانقلاب في موازين القوى فأصبح المتقدم متخلفا والعكس ؟ يقول المفكر مالك بن نبي : « . . ولقد أحدثت هذه الصدمة عند قبيل من المثقفين المسلمين شبه شلل في جهاز حصانتهم الثقافية ، حتى أدى بهم مركب النقص إلى أن ولّوا مدبرين أمام الزحف الثقافي الغربى ، وألقوا أسلحتهم في الميدان كأنهم فلول

--> ( 1 ) - د . على الخربوطلى : المستشرقون والتاريخ ص 22 الهيئة المصرية العامة للكتاب بمصر 1988 م . ( 2 ) - ميخائيل أنجلو جويدى : علم الشرق وتاريخ الأديان ص 11 ، 14 مجلة الزهراء . عدد ربيع الأول 1347 ه القاهرة .