محمود ماضي

125

الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده

النبوة منزلة الهلوسة وحديث النفس ، ذلك هو « أرسطو » الذي ذهب إلى أن الجسد سجن النفس ، وأن الإنسان أي إنسان ، إذا أجاع الجسد وأمرضه ، انطلقت نفسه وعندها تتصل بالعالم العلوي فتسمع أصواتا وترى أشباحا . . . هذه نظرية النبوة عند الإغريق . والمستشرق ، تبنى هذه الأفكار وأسقطها على محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » ومع هذا كله ، - والكفيل بإسقاط هذا الكلام - نسأل من أين أتى درمنغام بهذه السيرة المدعاة لنبينا ؟ هل بين يديه مصادر غير التي بين أيدينا ؟ حديث بدء الوحي عرضنا له في الصفات السابقة ليس فيه شئ من هذا التجنى المفضوح ، أما ردنا على درمنغام فيتلخص في الآتي : 1 - النبوة اصطفاء ، واجتباء ، ليست عملا كسبيا اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [ الحج : 75 ] . 2 - لو كانت النبوة أمرا كان يرجوه محمد ويتوقعه وكان قد تم استعداده بالاختلاء والتعبد في الغار وكان فكره مضطربا وقلبه ملتهبا . . . ثم تم له رجاؤه ومبتغاه ، لو كان الأمر كذلك لظهر عقب ذلك ما كانت تنطوى عليه نفسه الوثابة وفكرته الوقادة « 1 » . ولو كان اختلاؤه وتحنثه استعدادا للنبوة لأعتقد حين رأى جبريل حصول مأمولة وتحقق رجائه ، ولم يخف منه على نفسه . يقول الشيخ محمد عبده : « من السنن المعروفة أن يتيما فقيرا أميا مثله - أي مثل محمد - تنطبع نفسه بما تراه من أول نشأته إلى زمن كهولته ، ويتأثر عقله بما يسمعه ممن يخالطه ، لا سيما إذا كان من ذوى قرابته ، وأهل عصبته ، ولا كتاب يرشده ، ولا أستاذ ينبهه ، ولا عضد إذا عزم يؤيده ، لو جرى الأمر فيه على جارى السنن لنشأ على عقائدهم ، وأخذ بمذاهبهم إلى أن بلغ مبلغ الرجال ، ويكون للفكر والنظر مجال ، فيرجع إلى مخالفتهم ، إذا قام له الدليل على خلاف ضلالاتهم كما فعل القليل ممن كانوا على عهده « 2 » . ولكن الأمر لم يجر على سنته ، بل بغضت إليه الوثنية من مبدأ عمره - ليصنعه اللّه تعالى على عينه « 3 » - فعاجلته طهارة العقيدة ، كما بادره حسن الخليقة » « 4 » ،

--> ( 1 ) - الوحي المحمدي ص 94 . ( 2 ) - كعمرو بن نفيل وورقة وقد أشرنا إليهما من قبل وأمية ابن أبي الصلت . ( 3 ) - أنظر : عصمة الأنبياء بين اليهودية والمسيحية والإسلام . للمؤلف . ( 4 ) - رسالة التوحيد : ص 119 ، 120 دار إحياء العلوم بيروت 1399 ه - 1979 م .