محمود ماضي
124
الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده
المستشرق هنا يخلط خلطا مفضوحا بين الوحي وحديث النفس ولا أظنه غير فاهم ، ولكنه يتعمد ، فقد أثبتنا - فيما مر - أن دلالات النبوة واحدة . وقد انطبقت على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم قدر انطباقها على موسى وعيسى عليهما السلام - بل أزيد - فما الذي يجعل مثل هذا المستشرق يقف ليصف لنا شاعرا أو فنانا عبقريا والنبوة ليست من هذا القبيل ؟ يستطرد درمنغام قائلا : « . . . وهناك - في غار حراء - كان يقلب في صحف ذهنه كل ما وعى ( ! ) . . . وهو لم يكن يطمع في أن يجد في قصص الأحبار وفي كتب الرهبان الحق الذي ينشده ، بل في هذا الكون المحيط . . . فلما كانت سنة 610 م كانت الحالة النفسية التي يعانيها محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » على أشدها . . . ووجد في غار حراء مسرة تزاد كل يوم عمقا . . . وروحه تزداد بالصوم والسهر والإدمان على تقليب فكرته صفاء وحدة . ونسي الليل والنهار ، والحلم واليقظة . . . وكأنه يسمع الأصوات تخرج من خلال أحجار الصحراء تناديه مؤمنة برسالته . . . وفيما هو يوما نائم - « لاحظ » - بالغار جاءه ملك فقال له : اقرأ . قال : ما أنا بقارئ ، وكان هذا أول الوحي وأول النبوة » « 1 » بعض المستشرقين يقول بأن محمدا تأثر بالعناصر الأجنبية التي كانت سائدة في مكة وما حولها - وسوف نفند هذا الزعم بعد - ودرمنغام - هنا - أيد هذا الزعم إلا أنه أضاف : أن محمدا لم يجد في هذه الكتب - التي كانت متداولة بين مدارس وجامعات مكة - ما ترنو إليه نفسه وترومه ، فعكف على التأمل ، والتأمل العميق فيما حوله ، حتى نسي كل شئ ، لم يفرق بين ليل ونهار ولا سماء ولا أرض ( ! ) حتى خيل إليه أنه يسمع أصواتا وليس هناك أصوات ، ويرى أشباحا - وليس هناك أشباح ، فنام ، فجاءه جبريل وقال له اقرأ . . . وهذا أول الوحي وأول النبوة . ما ذا يريد المسلمون أكثر من هذا المستشرق يعترف بأن النبي جاءه جبريل وقال له : اقرأ . كما جاء في مصادرنا المعتبرة ، ولكن هذا كله حدث والنبي « صلّى اللّه عليه وسلّم » شارد أو مغيب عن الوعي أو نائم . يريد درمنغام أن يقول : القرآن فيض وجدان محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » وصورة من انطباع نفسه بما كان يدور حوله وأمام عينيه ، والوحي في رأى هذا المستشرق ليس إلا وحيا من داخل نفس الرسول لا من مصدر خارجي ، أي من العقل الباطن لا من رب العالمين . « درمنغام » يردد كلاما جاء على لسان فيلسوف لا يؤمن بإله ولا ينبوه ، فأنزل
--> ( 1 ) - المصدر السابق .