محمود ماضي
120
الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده
المعتبرة لدى المسلمين وكتب السيرة أنها ذهبت لتخبر ورقة بأمر الملك الذي جاء رسولنا « صلّى اللّه عليه وسلّم » ومنه يتضح : 1 - أن لقاء الرسول والسيدة خديجة مع ورقة كان بعد الوحي لا قبله . 2 - أنه لم يسبق للرسول أن التقى مع ورقة من قبل . هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن رواية ابن سعد ذكرت أن لقاء خديجة بورقة كان دون محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » ، وعليه يكون محمد لم يلتق بورقة إطلاقا . غير أن المستشرق « واط » مصرّ على أن محمدا التقى مرات ومرات بورقة بل وبغيره من علماء مكة ( ! ) . فيقول : « ويبدو ورقة من بين الذين اتصل بهم محمد لسبب معرفته بكتب المسيحية المقدسة » « 1 » . افتراضات وظنون قائمة على التعصب البغيض أدت بالمستشرق - المنهجي المحايد ( ! ) - إلى دائرة التصور الجاهلي للنبوة والوحي وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [ النحل : 103 ] . أما حديث إمام المحدثين ، البخاري - والذي مر بنا - عن بدء الوحي إلى نبينا « صلّى اللّه عليه وسلّم » . والذي ينتهى ب « ثم لم ينشب ورقة أن توفى وفتر الوحي » ، فيعقب المستشرق بقوله : « وأما بقية القصة ، من ناحية ثانية ، فهي تشعرنا بمحاولة لتفسير السبب الذي من أجله لم يصبح ورقة مسلما ، ولسبب آخر مشابه ، فإن النص الذي يجمع بين محمد وورقة أفضل من الذي يجعلهما لا يلتقيان » « 2 » . هذا التشكيك ليس من كلام « واط » وإنما هو ل « كايتانى » استشهد به « واط » لتأييد شكه في واقعة غار حراء التي ينبنى عليها الوحي إلى نبينا « صلّى اللّه عليه وسلّم » . والنص يتهم المحدثين والرواة بالوضع ، فمن ناحية يرون أن من مصلحة محمد أن يلتقى بورقة لما فيه من تأكيد واقعة غار حراء ، ولكنهم وقعوا في مأزق هو : إذا كان ورقة أكد لمحمد أن هذا الذي جاءه هو الناموس الذي جاء موسى ، أي أن ما جاء محمد هو الحق ، فلما ذا لم يؤمن به ورقة ؟ لذلك لجئوا إلى وضع أو زيادة هذه العبارة : : « ثم لم ينشب ورقة أن توفى وفتر الوحي » . روى الإمام الترمذي عن النبي « صلّى اللّه عليه وسلّم » أنه رأى ورقة في المنام وعليه ثياب بيض . ورد أيضا قوله « صلّى اللّه عليه وسلّم » : « رأيت القسّ في الجنة وعليه ثياب الحرير ، لأنه أول من آمن بي » « 3 » .
--> ( 1 ) - محمد في مكة ص 93 . ( 2 ) - محمد مكة ص 92 . ( 3 ) - الشيخ أبو بكر الجزائري : هذا الحبيب محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » ص 86 مكتبة لينة بمصر 1408 ه - 1988 م .