محمود ماضي
121
الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده
واضح أن شك « واط » يقوم على دليل ، غير أنه ليس إسلاميا ، فمراجعنا المعتبرة ، والموثوق فيها ، مشكوك فيها عنده ، دليله هنا نصراني من بنى جلدته ، خصم لنا ، « كاتيانى » في حولياته ، لذلك فهو موثق عنده ، ولكننا نسأل المستشرق ، العالم ، المحايد - فيما زعم - هل يجوز للعالم الباحث ، المحايد أن يعتمد على مصادر الخصم للوصول إلى نتيجة سلبية ، خاصة وأن الخصم غير حيادى ؟ لقد أسقط الإسلام شهادة الخصم على خصمه . إن المقدمة الكبرى لدى الاستشراق هي بطلان نبوة محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » ، وكل أبحاثهم إنما هي للتوفيق بين الدلائل التاريخية الناصعة على صدقه وبين مقدمتهم تلك ، من أجل ذلك انتهجوا التشكيك في حقائق التاريخ التي لا تتلاءم مع مقدمتهم . والحقيقة أن المستشرق « واط » يقول ما لا يفعل فهو يزعم الحيدة والموضوعية والبعد عن الإساءة إلى مشاعر المسلمين ، فضلا عن تناقضه هو وليس علماء الإسلام ، فهو في الوقت الذي يوجه فيه اللوم الشديد ل « كايتانى » بسبب نزعته الشكية المبالغ فيها ، فيقول : « وليس من الصعب تصحيح مبالغاته في الشك » « 1 » في نفس الوقت يعول عليه كمصدر موثوق فيه . ليس هذا فقط ولكنه هو الآخر - وكما رأينا - مارس « نوعا من المبالغة في شكوكه ، ونفيه الكيفي . . . ونفيه للعديد من معطيات السيرة عبر عصرها المكي » « 2 » . ويبدو أن « واط » أدرك تهافت شكوكه الأخيرة أمام الحقائق التاريخية ، فلجأ إلى فرض الفروض ، وهو منهج علمي بشرط أن يقوم الدليل عليه سلبا أو إيجابا فهل فعل ذلك « واط » ؟ لنر . يقول : « لا شك أن المقطع القرآني ، حين ردده محمد ، قد ذكره بما هو مدين به لورقة » « 3 » . أي مقطع قرآني هذا الذي ذكر محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » أنه مدين به لورقة ؟ يجيب الكاتب بأنه : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [ سورة : العلق ] . لو قرأ أي باحث محايد هذا الكلام في أصح الكتب لنسب قائله إلى التحامل المغالى فيه وإلى الوهم أثبتنا - وأثبت علماؤنا - أن لقاء ورقة بمحمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » كان اللقاء الأول والأخير ، الأول أفادته النصوص - التي أوردناها - القاطعة ، والأخير لأن
--> ( 1 ) - محمد في مكة ص 9 . ( 2 ) - د . عماد الدين خليل : المستشرقون والسيرة النبوية ص 64 . ( 3 ) - محمد في مكة ص 93 .