عبد الرحمن بدوي

182

دفاع عن القرآن ضد منتقديه

الإثم ، وهذا التوبيخ معبر جدا وبليغ جدا وهذا يتطابق مع البلاغة القرآنية والتي يعد الإيجاز أهم عناصرها . إذا فنحن نؤيد أنه في زمن النبي محمد صلى اللّه عليه وسلّم لم يثر قول « يا أخت هارون » أي مشكلة لا من جانب اليهود ولا النصارى ولا المسلمين من باب أولى لأنهم فهموه بهذا المعنى « أي يا منحدرة من نسل هارون » ! والذي يثير الدهشة حقا أنه لا الطبري ولا فخر الدين الرازي أيدا هذا التفسير فالأول لا يؤكد هذا الرأي والثاني يفضل عليه الرأي الثالث وهو أن مريم كان لها أخ حقيقي يسمى هارون وكان رجلا تقيا من أتقياء بني إسرائيل ووجه التعنيف إلي مريم مصحوبا باسمه « ليكون التوبيخ أكثر إيلاما لأن من كانت لها تلك القرابة وأخ مثل هذا الأخ تكون خطيئتها أكثر خطرا « 1 » . « الرأي الغريب للقرظى » : ولكن ما لم يقله أحد من المفسرين وهو أغرب الآراء ما قاله محمد بن كعب القرظي وهو ينحدر من قبيلة يهودية بالمدينة طردها وشردها النبي صلى اللّه عليه وسلّم وهم بنو قريظة وهذا الأصل يشرح رأيه ، ومحمد بن كعب القرظي هذا يزعم أن مريم هي « أخت هارون أما وأبا وهي أخت موسى وقد اتبعت نهج موسى وأتت بشريعته » وينهض ابن كثير ( مج 3 ص 119 ) للرد بقوة على هذا الرأي ويقول : « هذا الرأي بين الفساد لأن اللّه يقول في كتابه أنه أرسل عيسى بعد الرسل مما يعنى أن عيسى كان آخر المرسلين وليس بعده إلا محمد وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن نبي اللّه قال « أنا أولى من غيرى بعيسى ابن مريم فليس بيني وبينه نبي « وإن صح ما ادعاه محمد بن كعب القرظي فلن يكون بعده من الأنبياء إلا محمد ويكون قبل سليمان بن داود لأن اللّه قال : إن داود كان بعد موسى في هذه الآية أَ لَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثم

--> ( 1 ) فخر الدين الرازي - التفسير ( مفاتيح الغيب ) سورة مريم آية ( 28 ص 371 طبعة . بولاق - القاهرة ) .