أحمد جمال العمري
55
دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى
كل هذه النواحي وغيرها ، تناولها المفسّرون الأول بتوسّع ملموس ، لم يترك لمن جاء بعدهم - إلى ما قبل العصر الحديث بقليل - من عمل جديد ، أو أثر مبتكر ، يقومون به في تفاسيرهم التي ألفوها ، اللهم إلا عملا ضئيلا ، لا يعدو أن يكون جمعا لأقوال المتقدمين ، أو شرحا لغامضها ، أو نقدا وتفنيدا لما يعتوره الضعف منها ، أو ترجيحا لرأى على رأى ، مما جعل التفسير يقف وقفة مليئة بالركود ، خالية من التجديد والابتكار « 1 » . وفي العصر الحديث . . ظل الأمر على هذا ، وبقي التفسير واقفا عند هذه المرحلة ، مرحلة الركود والجمود ، لا يتعداها ، ولا يحاول التخلص منها ، حتى جاء عصر النهضة العلمية الحديثة ، فاتجهت أنظار العلماء ، الذين لهم عناية بدراسة التفسير ، إلى أن يتحرروا من قيد هذا الركود ، ويتخلصوا من نطاق هذا الجمود ، فنظروا في كتاب اللّه نظرة - وإن كانت تعتمد على ما دوّنه الأوائل ، إلا أنها أثرت في الاتجاه التفسيري للقرآن ، تأثيرا لا يسعنا إنكاره ، ذلك هو العمل على التخلص من كل هذه الاستطرادات العلمية ، التي حشرت في التفسير حشرا . ومزجت به على غير ضرورة لازمة ، والعمل على تنقية التفسير من القصص الإسرائيلى ، الذي كاد يذهب بجمال القرآن وجلاله ، وتمحيص ما جاء فيه من الأحاديث الضعيفة ، أو الموضوعة على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - أو على صحابته - عليهم رضوان اللّه تعالى ، وإلباس التفسير ثوبا أدبيا اجتماعيا ، موضوعيا ، يظهر روعة القرآن ، ويكشف مراميه الدقيقة ، وأهدافه السامية ، والتوفيق بجد بالغ ، وجهد ظاهر ، بين القرآن وما جدّ من نظريات علمية صحيحة . وكان ذلك من أجل أن يعرف المسلمون ، وغير المسلمين ، أن القرآن هو كتاب اللّه الخالد ، الذي يتمشى مع الزمن في جميع أطواره ومراحله .
--> ( 1 ) الدكتور محمد حسين الذهبي : التفسير والمفسرون ج 2 ص 495 . طبع مصر سنة 1968 م