أحمد جمال العمري
25
دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى
ومضمون كلام القاضي عبد الجبار ، أن ثمة من الناس ، من يرى أن القرآن للتلاوة ، والتعبّد بتلاوته وقراءته في الصلاة ، كما يفعل الأعاجم ، الذين لا يعرفون العربية ، وإنه يسوق الأدلة لبطلان هذا القول ، فيقول : « وبيّن شيوخنا أنه لو لم يكن له معنى لا يكون معجزا ، لأن إعجازه هو بما يحصل من المزيّة والرتبة في قدر الفصاحة ، ولا يكون الكلام فصيحا إلا بحسن معناه وموقعه واستقامته ، كما لا يكون فصيحا إلا بجزالة لفظه ، ولو أن واحدا من المتكلمين ألّف من الكلام المهمل جملة ، وتكلم بها في غير مواضعة لم يعد من الكلام الفصيح ، كما لو كان في معناه ركاكة لم يكن منه ، وكما لو ركّ لفظه لم يعد في ذلك ، فكيف لمن أقرأنه معجز ، أن يزعم أنه لا معنى له ، وأنه لا فائدة منه » « 1 » فهذا الكلام يدل على أنه يوجد من يقول : إن القرآن لا يطلب معناه ، وأن القصد منه التعبد بالتلاوة في الصلاة ، وخارج الصلاة . ويبدو أن الذي دفع هؤلاء إلى ذلك القول : - إن صحّ نقله - أنهم يتوقّفون خشية أن ينحرف بهم الفكر ، فيصرفوا معاني القرآن إلى غيرها لانحراف في التفكير ، أو تزيّد عليه ، فرأوا أن يكتفوا بالتلاوة والتعبد بها ، واقفين عند ذلك الحدّ ، حتى لا يقولوا على اللّه بغير علم . ومهما يكن من أمر ، فإن ذلك الرأي مرفوض تماما ولا يؤخذ به . إن الذي لا شك فيه ، أن القرآن العظيم ، مقصود بمعانيه ، وبتلاوته ، وترطيب الأسماع به ، وبالتعبد به وبألفاظه ، فكل ما اشتمل عليه مقصود لذاته ، لا بالتبعيّة لغير ، فهو مأدبة اللّه تعالى ، فإذا كان ذلك كذلك - فما مكان التفسير في ذلك ؟ لأن التفسير لا يكون إلا عند الحاجة للتبيين ، والقرآن الكريم
--> ( 1 ) المغنى 16 / 357