مجموعة مؤلفين
3
اعراب القرآن الكريم
الجزء الأول [ مقدمة الكتاب ] بسم اللّه الرّحمن الرّحيم والصلاة والسّلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين ، وبعد . . . فقد نشأ الدرس اللغوي في العالم الإسلامي في رحاب القرآن الكريم ؛ لأن العلماء المسلمين توقفوا أمام النص المقدس محاولين فهمه ، والتوصل إلى معانيه الشريفة ، وهذا لا يتأتّى لهم إلا بدراسة لغته التي بها نزل على أشرف خلق اللّه محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لذلك وجدنا علوما لغوية كثيرة نشأت في رحابه ؛ متخذة من آياته الكريمة نقطة الانطلاق ، ومن بينها معرفة معاني ألفاظه ، وإعرابه ، وقراءاته ، وسواها من العلوم اللغوية . ويقول الإمام محمد بن إدريس الشافعي ( ت 204 ه ) ، رضي اللّه تعالى عنه وأرضاه في رسالته : « فإن من أدرك علم أحكام اللّه في كتابه نصّا واستدلالا ، ووفقه اللّه للقول والعمل بما علم منه ، فاز بالفضيلة في دينه ودنياه وانتفت عنه الرّيب ، ونورت في قلبه الحكمة ، واستوجب في الدين موضع الإمامة » . لذلك يرى القدماء من العلماء العرب ، ونحن نرى رأيهم ، أن أفضل علم صرفت إليهم الهمم ، وتعبت فيه الخواطر ، وسارع إليه ذوو العقول علم كتاب اللّه تعالى ذكره ؛ إذ هو الصراط المستقيم ، والدين المبين ، والحقّ المنير . وأشار أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي ( ت 437 ه ) إلى أن من أعظم ما يجب على الطالب لعلوم القرآن ، الراغب في تجويد ألفاظه ، وفهم معانيه ، ومعرفة قراءته ولغاته ، وأفضل ما الطالب محتاج إليه ، معرفة إعرابه ، والوقوف على تصرّف حركاته وسواكنه ؛ ليكون بذلك سالما من اللحن ، مستعينا على إحكام اللفظ به ، مطّلعا على المعاني التي قد تختلف باختلاف الحركات ، متفهّما لما أراد اللّه به من عباده ؛ إذ بمعرفة حقائق الإعراب ، تعرف أكثر المعاني ، وينجلي الإشكال ؛ فتظهر الفوائد ، ويفهم الخطاب ، وتصحّ معرفة حقيقة المراد . ونشير إلى أن القدماء حين يؤلفون في إعراب القرآن الكريم لا يؤلفون للمبتدئ الذي لا يعلم من النحو إلا الخافض والمخفوض ، والفاعل والمفعول ، والمضاف والمضاف إليه ، والنعت والمنعوت . . . ؛ وإنما كانوا يؤلفون لمن شدا طرفا منه ، وعلم ظواهره وجملا من عوامله ، وتعلق بطرف من أصوله . وإعراب القرآن الكريم علم ، له أصوله وقواعده ، ولا يقدم عليه إلا من امتلك الأدوات التي تمكنه من الإعراب الصحيح الذي يفيد منه طلاب العلم والمعرفة ؛ بالإضافة إلى أن المعرب يجب عليه مراعاة بعض الأمور ، ومن بينها أن يفهم معنى ما يريد إعرابه ، مفردا كان أو مركبا ، قبل الإعراب ؛ فإن الإعراب فرع المعنى ، وأن يتجنب الأعاريب المحمولة على اللغات الشاذة ؛ فإن القرآن الكريم نزل بالأفصح من لغة قريش ، ولا يعمل فيه إلا على ما هو فاش دائر على ألسنة فصحاء العرب دون الشاذ والنادر الذي لا يعثر عليه إلا في موضع أو موضعين . وعلى الرغم من كثرة الكتب التي تناولت آي الذكر الحكيم بالإعراب ؛ فإن ( إعراب القرآن الكريم ) الذي تقدمه دار الصحابة للتراث بطنطا يحتل مكانة متميزة بينها لما يأتي : 1 - ربط الإعراب في بعض المواضع بالمعنى الجليل الذي تدور حوله الآية الكريمة . 2 - الابتعاد عن الخلافات بين النحويين ، والأخذ بأوضح وجوه الإعراب وأيسرها . 3 - وجود مدخل في أول الكتاب حول الإعراب لغة واصطلاحا ونماذج للإعراب المفصّل . 4 - الالتزام بمنهج علمي سليم في الإعراب ، وهو المنهج الذي نجد حديثا عنه في أول الكتاب . 5 - جمال الإخراج وحسنه ، ودقة المراجعة . وهناك مميزات أخرى كثيرة سوف يلمسها كل من يقرأ هذا الإعراب الجاد والدقيق ، ولا بد من الإشادة بالأمانة العلمية التي تحلى بها فريق العمل الذي صنع هذا الإعراب ؛ لأننا نجد قائمة بأهم المؤلفات في ( إعراب القرآن الكريم ) قديما وحديثا . إن ( إعراب القرآن الكريم ) الصادر عن دار الصحابة للتراث بطنطا عمل علمي جاد ومتميز ، يمكن لكل مسلم أن يفيد منه : الطبيب ، والمهندس ، والقاضي ، ورجال الإعلام . . . ؛ بالإضافة إلى المتخصصين في علوم اللغة العربية الشريفة ، العجيبة اللطيفة . ويسعدني أن أتوجه بالتحية الصادقة ، والشكر الجزيل إلى جميع الإخوة الذين تشرفوا بإصدار هذا العمل الجليل ، وعلى رأسهم فضيلة الأستاذ الشيخ أبي حذيفة إبراهيم الشناوي ، وأن يكون في ميزان حسناتهم يوم القيامة . واللّه وحده ولي التوفيق والسداد . أ . د . محمود سليمان ياقوت أستاد العلوم اللغوية ورئيس قسم اللغة العربية