الشيخ محمد علي طه الدرة

432

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

[ سورة هود ( 11 ) : آية 36 ] وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 36 ) الشرح : وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ : وهذا بعد أن عذبوه بأنواع العذاب ، واضطهدوه ، يروى : أن رجلا من قومه حمل ابنه على كتفه ، فلما رأى الصبي نوحا عليه السّلام ، قال لأبيه : أعطني حجرا ، فأعطاه حجرا ، ورمى به نوحا ، فأدماه ، فأوحى اللّه تعالى إليه : أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ . . . إلخ وكان كلما تمادوا في المعصية ، واشتد عليه منهم البلاء ؛ صبر على إيذائهم ، وكان ينتظر الجيل من قومه بعد الجيل ، فلا يأتي قرن إلا كان أنحس من الذي قبله ، ولقد كان القرن الآخر منهم يأتي ، فيقول : قد كان هذا الشيخ مع آبائنا وأجدادنا هكذا مجنونا ، فلا يقبلون منه شيئا ، فشكا نوح عليه السّلام إلى اللّه ، فقال : رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً . . . إلخ الآيات من سورة نوح هذا ؛ والوحي : الإشارة ، والكتابة ، والرسالة ، والإلهام ، والكلام الخفي ، وكل ما ألقيته إلى غيرك ، والوحي الكتاب المنزل على الرسول المرسل لقومه ، مثل : موسى ، وعيسى ، ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم أجمعين وسلم تسليما كثيرا . فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ أي : فلا تغتمّ بسوء صنيعهم ، فإنهم هالكون . والبؤس : الحزن ، ومنه قول الشاعر : [ الطويل ] وكم من خليل ، أو حميم رزئته * فلم أبتئس ، والرّزء فيه جليل يقال : ابتأس الرجل : إذا بلغه شيء يكرهه ، والابتئاس حزن في استكانة . الإعراب : وَأُوحِيَ : الواو : حرف عطف . ( أوحي ) : ماض مبني للمجهول . إِلى نُوحٍ : متعلقان بالفعل قبلهما . أَنَّهُ : حرف مشبه بالفعل ، والهاء اسمه . لَنْ : حرف ناصب . يُؤْمِنَ : مضارع منصوب ب لَنْ . مِنْ قَوْمِكَ : متعلقان بالفعل قبلهما ، والكاف في محل جر بالإضافة . إِلَّا : حرف حصر . يُؤْمِنَ : اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل : يُؤْمِنَ ، وجملة : قَدْ آمَنَ صلة الموصول لا محل لها ، والعائد رجوع الفاعل إليه ، و ( أنّ ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع نائب فاعل ( أوحي ) ، هذا ؛ وقرئ بكسر همزة ( إنه ) وفيه وجهان : أحدهما : وهو قول البصريين : أنه على إضمار القول ، والثاني وهو قول الكوفيين أنه على إجراء الإيحاء مجرى القول . انتهى . سمين . وعليه فنائب الفاعل هو متعلق إِلى نُوحٍ كما قرئ ( أَوْحَى ) بالبناء للمعلوم ، فيكون الفاعل عائدا ، إلى اللّه ، والمصدر المؤول من أَنَّهُ . . . إلخ في محل جر بحرف جر محذوف ، التقدير : بأنه ، وعلى قراءة ( إنه ) بالكسر يجري فيه الوجهان المذكوران عن البصريين ، والكوفيين ، وجملة ( أوحي . . . ) إلخ معطوفة على ما قبلها ، أو مستأنفة لا محل لها . فَلا الفاء : هي الفصيحة ، وانظر الآية رقم [ 17 ] ( لا ) : ناهية . تَبْتَئِسْ : مضارع مجزوم ب ( لا ) الناهية ، والفاعل مستتر تقديره : « أنت » ، هذا ؛ وإعراب : بِما كانُوا يَفْعَلُونَ مثل