الشيخ محمد علي طه الدرة
433
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
إعراب : بِما تَعِدُنا في الآية رقم [ 32 ] وقد مر معنا كثير مثلها ، وجملة : فَلا تَبْتَئِسْ . . . إلخ لا محل لها ؛ لأنها جواب شرط غير جازم ، التقدير : وإذا علمت : أنه لن يؤمن من قومك . . . فلا تبتئس . . . إلخ ، و ( إذا ) المقدرة ومدخولها كلام مستأنف لا محل له . [ سورة هود ( 11 ) : آية 37 ] وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ( 37 ) الشرح : وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا : والخطاب لنوح عليه السّلام ، أي : اعمل السفينة التي ستنجو فيها أنت ، ومن آمن معك ، وإنك بحفظنا ، ورعايتنا ، وحراستنا ، وبمرأى منا وحيث نراك ، فعبر عن الرؤية بالأعين ؛ لأن الرؤية تكون بها ، كما عبر عن القدرة باليد في قوله تعالى : يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ لأنها آلة القدرة ، وهذا ؛ ونحوه من الألفاظ التي يجب تأويلها بما يتناسب معها ، فإنها من المتشابهات التي توهم خلاف ما ينبغي بحقه تعالى من حدوث وغيره ، وجمع « الأعين » للتعظيم لا للتكثير ، وانظر ( نا ) في الآية رقم [ 8 ] وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا : ولا تراجعني فيهم ، ولا تدعني باستدفاع العذاب عنهم . إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ أي : محكوم عليهم بالغرق في قديم الأزل ، فلا سبيل إلى دفعه عنهم . هذا ؛ و الْفُلْكَ بضم الفاء وسكون اللام : هي السفينة التي استقلها نوح عليه السّلام بمن آمن معه ، وهي أول سفينة وجدت في الدنيا ، ومن تصميمها وشكلها أخذت البشرية تصنع السفن ، وتتطور جيلا بعد جيل ، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه في العصر الحاضر ، هذا ؛ والفلك يطلق على المفرد والجمع ، وعلى المؤنث والمذكر ، قال تعالى : فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فأفرد وذكر ، وقال تعالى : وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ فأنث ، ويحتمل الإفراد والجمع ، وقال جل شأنه : حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ فجمع ، وكأنه يذهب بها إذا كانت واحدة إلى المركب ، فتذكّر وإلى السفينة فتؤنث ، وقد ألغز الشاعر فيها فقال : [ الطويل ] مكسّحة تجري ، ومكفوفة ترى * وفي بطنها حمل على ظهرها يعلو فإن عطشت عاشت ، وعاش جنينها * وإن شربت ماتت ، وفارقها الحمل هذا ؛ و ( الفلك ) بفتحتين : مدار النجوم ، ويجمع على « فلك » بضم الفاء وسكون اللام وضمها أيضا وعلى « أفلاك » ، والفلك من كل شيء مستداره ومعظمه ، والفلكي منسوب إلى علم الفلك ، وانظر شرح ( العين ) في الآية رقم [ 31 ] و ظَلَمُوا أي : أنفسهم بالكفر ، ومخالفة الواحد القهار ، وانظر الظلم في الآية رقم [ 23 ] من سورة ( يونس ) . الإعراب : وَاصْنَعِ : ( اصنع ) : أمر ، وفاعله تقديره : « أنت » . الْفُلْكَ : مفعول به . بِأَعْيُنِنا : متعلقان بمحذوف حال من الْفُلْكَ أي : مصنوعا بأعيننا ، أو من الفاعل المستتر ، التقدير : محفوظا برعايتنا . . . إلخ ، و ( نا ) : في محل جر بالإضافة . ( وحينا ) : معطوف على ما