الشيخ محمد علي طه الدرة
410
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
[ سورة هود ( 11 ) : آية 18 ] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ( 18 ) الشرح : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أي : لا أحد أظلم منهم لأنفسهم ؛ لأنهم افتروا على اللّه كذبا ، فأضافوا كلامه إلى غيره ، وزعموا : أن له شريكا ، وولدا ، وقالوا للأصنام : هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه ، وفي الآية دليل على أن الكذب على اللّه من أعظم أنواع الظلم ، وقد راعى لفظ ( من ) في الجملة الفعلية ، وراعى معناها في الجملة الاسمية . أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ أي : المفترون على اللّه الكذب يعرضون على اللّه يوم القيامة ليحاسبهم على خبث أعمالهم . وَيَقُولُ الْأَشْهادُ أي : من الملائكة ، والنبيين والعلماء الذي بينوا تعاليم الأنبياء ، أو الأشهاد من جوارحهم ، كما قال تعالى : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ والأشهاد : جمع شاهد ، كأصحاب جمع : صاحب ، أو جمع شهيد كأشراف جمع شريف . هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أي : في الدنيا ، وهذه الفضيحة تكون لكل من كذب على اللّه . عن صفوان بن محرز المازني ، قال : بينما ابن عمر - رضي اللّه عنهما - يطوف بالبيت ؛ إذ عرض له رجل ، فقال : يا أبا عبد الرحمن ! أخبرني ما سمعت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في النجوى ، قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « يدنو المؤمن من ربّه عز وجل ، حتّى يضع عليه كنفه ، فيقرّره بذنوبه : تعرف ذنب كذا وكذا ؟ فيقول : أعرف ربّ أعرف - مرّتين - فيقول : سترتها عليك في الدّنيا ، وأنا أغفرها لك اليوم ، ثم يعطى كتاب حسناته ، وأمّا الكفار ، والمنافقون ، فينادى بهم على رؤوس الخلائق : هؤلاء الّذين كذبوا على اللّه » . انتهى . متفق عليه . أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ أي : سخطه ، وإبعاده من رحمته على الذين وضعوا العبادة في غير موضعها ، هذا ؛ وانظر ما ذكرته في حكم اللعن في الآية رقم [ 161 ] من سورة ( البقرة ) أو الآية [ 25 ] من سورة ( الرعد ) ، وانظر ( الظلم ) في الآية رقم [ 23 ] من سورة ( يونس ) . ( يقول ) : القول يطلق على خمسة معان : أحدها : اللفظ الدال على المعنى . الثاني : حديث النفس ومنه قوله تعالى : وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا . . . إلخ . الثالث : الحركة والإمالة ، يقال : قالت النخلة ؛ أي : مالت . الرابع : ما يشهد به الحال ، كما في قوله تعالى : قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ الخامس : الاعتقاد ، كما تقول : هذا قول المعتزلة ، وهذه مقالة الأشاعرة ، أي : ما يعتقدونه ، وانظر الكلام في الآية رقم [ 54 ] من سورة ( يوسف ) . الإعراب : وَمَنْ : الواو : حرف استئناف . ( من ) : اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ . أَظْلَمُ : خبره ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها . مِمَّنِ : جار ومجرور