الشيخ محمد علي طه الدرة

36

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

فَآواكُمْ : ماض مبني على فتح مقدر على الألف ، والفاعل يعود إلى الله ، وهو مفهوم من المقام ، والكاف مفعول به ، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها ، فهي في محل جر مثلها ، وتقدير مبتدأ قبلها فيه تكلف ، وما بعدها معطوف عليها ، ولا تنس أن مفعول ( رزق ) الثاني محذوف ، تقديره : حلالا . لَعَلَّكُمْ : حرف مشبه بالفعل ، والكاف اسمها . تَشْكُرُونَ : فعل وفاعل ، والمفعول محذوف كما رأيت في الشرح ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر لعل ، والجملة الاسمية : لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ تعليل للنعم المذكورة . [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 27 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 27 ) الشرح : آمَنُوا : انظر الإيمان في الآية رقم [ 2 ] الأعراف . اللَّهَ وَالرَّسُولَ : انظر الآية رقم [ 1 ] . وخيانة اللّه ورسوله تكون بتعطيل الفرائض والسنن ، أو بأن يظهر الإنسان خلاف ما يضمر ، وهذا نفاق ، وتكون الخيانة بالغلول في الغنائم ، هذا ؛ وأصل الخون : الغدر والنقص ، كما أن أصل الأمانة الوفاء والتمام ، والخيانة بجميع أنواعها صفة ذميمة تستوجب الذم ، كيف لا ؟ والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، قد استعاذ منها بقوله : « اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الجوع فإنّه بئس الضّجيع وأعوذ بك من الخيانة فإنّها بئست البطانة » . أخرجه النسائي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ، هذا ؛ وانظر الأمانة في الآية رقم [ 58 ] من سورة ( النساء ) . وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ : أنكم تخونون ، أو : أنتم علماء تميزون الحسن من القبيح ، أو ما في الخيانة من القبح والعار . تنبيه : نزلت الآية في أبي لبابة ، قال الجلال : اسمه مروان بن عبد المنذر ، وقيل : اسمه رفاعة ، وقيل : اسمه هارون ، وقيل : عمرو ، وهو أنصاري - رضي اللّه عنه - وكانت الحادثة فيما يروى : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حاصر بني قريظة بعد نقضهم العهد والميثاق ، وانضمامهم إلى قريش في محاصرة المدينة المنورة في غزوة الخندق إحدى وعشرين ليلة ، فسألوه الصلح كما صالح إخوانهم بني النضير ، وبني قينقاع ، على أن يخرجوا إلى أذرعات وأريحاء بأرض الشام ، فأبى إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي اللّه عنه ، فأبوا ، وقالوا : أرسل لنا أبا لبابة ، وكان مناصحا لهم لأن عياله وأمواله في أيديهم ، فبعثه إليهم ، فقالوا : يا أبا لبابة ، ما ترى ؟ أننزل على حكم سعد بن معاذ ؟ فقال : نعم ، وأشار إلى حلقه : أنه الذبح ، قال أبو لبابة . فما زالت قدماي حتى علمت أني خنت اللّه ورسوله ، ثم انطلق على وجهه ، ولم يأت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وشد نفسه على سارية من سواري المسجد ، وقال : واللّه لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت ، أو يتوب اللّه علي ، فلما بلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خبره ، قال : أما لو جاءني لا ستغفرت له ، أما إذ فعل ما فعل ، فإني لا أطلقه حتى يتوب اللّه عليه ، فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاما ولا شرابا حتى خر مغشيا عليه ، ثم تاب اللّه عليه ، فقيل له : يا أبا لبابة قد تيب عليك ، فقال : واللّه لا أحل نفسي حتى يكون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هو