الشيخ محمد علي طه الدرة
34
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ أي : أيقنوا أن اللّه شديد الانتقام ممن عصاه ، وممن رضي بالمعصية ، وسكت ، ولم ينكرها بما يقدر ، ويغيرها بيده أو بلسانه ، فعن عدي بن عميرة الكندي ، قال : حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يقول : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إن اللّه لا يعذب العامّة بعمل الخاصّة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم ، وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه ، فإذا فعلوا ذلك عذّب اللّه العامة والخاصّة » . رواه البغوي ، والذي ذكره ابن الأثير في جامع الأصول عن عدي المذكور : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فأنكرها ، كمن غاب عنها ، ومن غاب عنها فرضيها ، كان كمن شهدها » . أخرجه أبو داود ، والأحاديث في ذلك كثيرة . الإعراب : وَاتَّقُوا : أمر مبني على حذف النون ، والواو فاعله ، والألف للتفريق ، فِتْنَةً : مفعول به ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا . لا تُصِيبَنَّ : لا : نافية . تُصِيبَنَّ : مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له ، وهو في محل جزم في جواب الأمر ، وهو في الحقيقة مجزوم بشرط مقدر عند البصريين كما يلي : ( إن تتقوا فتنة لا تصيبن ) وعند الكوفيين كما يلي : ( واتقوا فتنة إن أصابتكم لا تصيبن ) ، وفيه أن جواب الشرط متردد فلا يليق به النون المؤكدة ، لكنه لما تضمن معنى النهي ساغ فيه ، كقوله تعالى حكاية عن قول النملة لجماعتها : ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ هذا وجه لإعراب هذه الجملة ، والوجه الثاني أن الجملة في محل نصب صفة فِتْنَةً ، و لا للنفي ، وفيه شذوذ ؛ لأن النون لا تدخل المنفي في غير القسم ، أو هي ( لا ) الناهية ، ولا يصح إلا على تقدير القول كقول الشاعر : [ الرجز ] حتّى إذا جنّ الظلام واختلط * جاؤوا بمذق ، هل رأيت الذّئب قط ؟ التقدير في الآية الكريمة : اتقوا فتنة مقولا فيها : لا تُصِيبَنَّ ، وفي البيت : بمذق مقول فيه : هل رأيت . . . إلخ ، فالقول المقدر وقع صفة ل فِتْنَةً ، ولمذق كما ترى ، والوجه الثالث : أن الجملة جواب لقسم مقدر ، التقدير : واللّه لا تصيبن ، ويؤيده قراءة من قرأ : ( لتصيبنّ ) بلا ألف ، قال المهدوي : يجوز أن تكون اللام مقصورة من ( لا ) حذفت الألف كما حذفت من ( ما ) وهي أخت ( لا ) في نحو : أم واللّه لأفعلنّ ، وشبهه ، ويجوز أن تكون مخالفة لقراءة الجماعة ، فيكون المعنى : أنها تصيب الظالم خاصة ، أقول : وهذا المعنى غير مراد من الآية كما رأيت فيما سبق ، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له ، وقيل : صفة ل فِتْنَةً ، فيقع المحذور السابق الذي من أجله قدر مقول محذوف لأن القسم إنشاء ، وعلى جميع الوجوه المتقدمة فالفاعل مستتر تقديره هي يعود إلى فِتْنَةً . الَّذِينَ : اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به . ظَلَمُوا : فعل وفاعل ، والألف للتفريق ، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها . مِنْكُمْ : متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة . خَاصَّةً : صفة