الشيخ محمد علي طه الدرة

257

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 120 ] ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( 120 ) الشرح : ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ . . . إلخ : أي : ما صح ، أو : لا يصح ، ولا ينبغي ، وهذا خبر ، ومعناه أمر ، انظر الآية رقم [ 113 ] - وانظر حَوْلَهُمْ في الآية رقم [ 101 ] ، الْأَعْرابِ : انظر الآية رقم [ 90 ] . وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ أي : لا يصونوا أنفسهم عما لم يصن نفسه عنه ، ويكابدوا معه ما يكابده من الأهوال والمشقات والمصاعب ، وانظر الفعل ( يرغب ) في الآية رقم [ 127 ] من سورة ( النساء ) ، ذلِكَ : إشارة إلى ما دل عليه قوله : ما كانَ . . . إلخ من النهي عن التخلف . لا يُصِيبُهُمْ أي : في سفرهم وغزواتهم ، وانظر إعلاله في الآية رقم [ 51 ] ظَمَأٌ : عطش . نَصَبٌ : تعب . مَخْمَصَةٌ : جوع شديد . فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي : في طاعته ، ومن أجل إعلاء كلمته . وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ أي : لا يضعون قدما على الأرض يكون ذلك القدم سببا لغيظ الكفار وغمهم وحزنهم . وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا أي : أسرا أو قتلا ، أو هزيمة ، أو غنيمة منهم ، أو نحو ذلك قليلا كان أو كثيرا ، إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ أي : إلا كتب وسجل لهم بذلك ثواب عمل صالح قد ارتضاه لهم ، وقبله منهم . إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ : انظر الآية رقم [ 91 ] . قال الخازن : وفي الآية دليل على أن من قصد طاعة اللّه كان قيامه وقعوده ومشيه ، وحركته وسكونه كلها حسنات مكتوبة عند اللّه ، ومن قصد معصية اللّه كان قيامه وقعوده ، ومشيه وحركته وسكونه كلها سيئات إلا أن يغفرها اللّه بفضله وكرمه . انتهى . قال البيضاوي : روي : أن أبا خيثمة رضي اللّه عنه ذهب إلى بستانه ، بعد ذهاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وسفره إلى تبوك ، وكانت له امرأة حسناء ، فرشت له في الظل ، وبسطت له الحصير ، وقربت إليه الرطب ، والماء البارد ، فنظر ، فقال : ظل ظليل ، ورطب يانع ، وماء بارد ، وامرأة حسناء ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الضج والريح ، ما هذا بخير ، فقام ، فرحل ناقته ، وأخذ سيفه ورمحه ، ومر كالريح ، فمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم طرفه إلى الطريق ، فإذا براكب يزهاه السراب ، فقال : كن أبا خيثمة ، فكان هو ، ففرح به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، واستغفر له . انتهى . الإعراب : ما : نافية . كانَ : ماض ناقص . لِأَهْلِ : متعلقان بمحذوف خبر كانَ تقدم على اسمها ، و لِأَهْلِ : مضاف ، و الْمَدِينَةِ : مضاف إليه . وَمَنْ : اسم