الشيخ محمد علي طه الدرة
253
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
قال : فذكروا لي رجلين صالحين ، قد شهدا بدرا فيهما أسوة ، قال : فمضيت حتى ذكروهما لي ، قال : ونهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه ، قال : فاجتنبنا الناس ، أو قال : تغيّروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض ، فما هي بالأرض التي أعرف ، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة ، فأما صاحباي ، فاستكانا ، وقعدا في بيوتهما يبكيان ، وأما أنا فكنت أشب القوم ، وأجلدهم ، فكنت أخرج ، فأشهد الصلاة ، وأطوف في الأسواق ، فلا يكلمني أحد ، وآتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو في مجلسه بعد الصلاة ، فأسلم ، فأقول في نفسي ، هل حرك شفتيه بردّ السّلام ، أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه ، وأسارقه النظر ، فإذا أقبلت على صلاتي ؛ نظر إليّ ، فإذا التفت نحوه ؛ أعرض عني ، حتى إذا طال عليّ ذلك من جفوة المسلمين ، مشيت ، حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة ، وهو ابن عمي ، وأحب الناس إليّ ، فسلمت عليه ، فو اللّه ما ردّ علي السّلام ! . فقلت له : يا أبا قتادة ، أنشدك باللّه ، هل تعلمن أني أحب اللّه ورسوله ؟ قال : فسكت ، فعدت ، فناشدته ، فقال : اللّه ورسوله أعلم ! ففاضت عيناي ، وتوليت حتى تسورت الجدار ، فبينما أن أمشي في سوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشام ، ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول : من يدل على كعب بن مالك ؟ قال : فطفق الناس يشيرون له إليّ حتى جاءني ، فدفع إلي كتابا من ملك غسان ، وكنت كاتبا ، فقرأته ، فإذا فيه ، أما بعد ، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ، ولم يجعلك اللّه بدار هوان ، ولا مضيعة ، فالحق بنا نواسك . قال : فقلت حين قرأتها ، وهذه أيضا من البلاء ، فتيمّمت بها التنور فسجرتها ، حتى إذا مضت أربعون من الخمسين ، واستلبث الوحي ، وإذا رسول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يأتيني ، فقال : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يأمرك أن تعتزل امرأتك ، قال : فقلت : أطلّقها أم ما ذا أفعل ؟ قال : بل اعتزلها فلا تقربها ، وأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك ، قال : فقلت لامرأتي الحقي بأهلك ، فكوني عندهم حتى يقضي اللّه في هذا الأمر ، قال : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فقالت : يا رسول اللّه ! إن هلال بن أمية شيخ ضائع ، ليس له خادم ، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : لا ، ولكن لا يقربنك ، قالت : واللّه إنه ما به حركة إلى شيء ، وو اللّه ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا ، قال : فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه ، قال : فقلت : واللّه لا استأذن فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وما يدريني ما يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا استأذنته فيها ؟ وأنا رجل شاب . قال : فلبثت عشر ليال ، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا ، قال : ثم صليت صلاة الصبح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا ، فبينما أنا جالس على الحالة التي ذكر اللّه عز وجل منا ، قد ضاقت عليّ نفسي ، وضاقت عليّ الأرض بما رحبت ، سمعت صوت صارخ أوفى