الشيخ محمد علي طه الدرة

254

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

على سلع ، يقول بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر ! قال : فخررت ساجدا ، وعلمت أن قد جاء فرج ، قال : وأذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بتوبة اللّه علينا حين صلى صلاة الفجر ، فذهب الناس يبشروننا ، فذهب قبل صاحبيّ مبشرون ، وركض رجل إليّ فرسا ، وسعى ساع من أسلم قبلي ، وأوفى على الجبل ، فكان الصوت أسرع من الفرس ، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي ، فكسوتهما إياه ببشارته . واللّه ما أملك غيرهما يومئذ ، واستعرت ثوبين فلبستهما ، وانطلقت أيمم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بالتوبة ، ويقولون : لتهنئك توبة اللّه عليك حتى دخلنا المسجد ، فإذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حوله الناس ، فقام طلحة بن عبيد اللّه يهرول حتى صافحني وهنأني ، واللّه ما قام رجل من المهاجرين غيره ، قال : فكان كعب لا ينساها لطلحة ، قال كعب : فلما سلمت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال ، وهو يبرق وجهه من السرور ، قال : « أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك » . قال : فقلت : أمن عندك يا رسول اللّه ! أم من عند اللّه ؟ قال : « بل من عند اللّه » . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا سرّ استنار وجهه حتى كأن وجهه قطعة قمر ، قال : وكنا نعرف ذلك ، قال : فلما جلست بين يديه ؛ قلت : يا رسول اللّه ! إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى اللّه ورسوله ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أمسك عليك بعض مالك ، فهو خير لك » . فقلت : فإني أمسك سهمي الذي لي بخيبر ، قال : وقلت : يا رسول اللّه إنما أنجاني اللّه بالصدق ، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت ، قال : فو اللّه ما علمت أحدا من المسلمين أبلاه اللّه في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى يومي هذا أحسن مما أبلاني به ، واللّه ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى يومي هذا ، وإني لأرجو اللّه أن يحفظني فيما بقي ، قال : فأنزل اللّه عز وجل : لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ . . . إلخ الآيات . قال كعب : واللّه ما أنعم اللّه علي من نعمة قط بعد إذ هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن لا أكون كذبته ، فأهلك كما هلك الذين كذبوا ، إن اللّه عز وجل قال للذين كذبوا حين نزل الوحي شرّ ما قال لأحد ، فقال : سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ . . . إلخ الآية رقم [ 95 و 96 ] ، قال كعب : كنا خلّفنا أيّها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين حلفوا له فبايعهم ، واستغفر لهم ، وأرجأ رسول اللّه أمرنا حتى قضى اللّه تعالى فيه بذلك ، قال اللّه تعالى : وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا . وليس الذي ذكره ما خلفنا تخلفنا عن الغزو ، وإنما هو تخليفه ، إيانا ، وإرجاؤه أمرنا عمن خلف له ، واعتذر إليه ، وقبل منه . انتهى . قرطبي ، وخازن ، والترغيب والترهيب للحافظ المنذري بحروفه .