الشيخ محمد علي طه الدرة
243
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
وانظر ( استغفروا ) في الآية رقم [ 80 ] ، وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى : أصحاب قرابات ، آباء ، أو أمهات . . . إلخ ، وانظر شرح أُولِي في الآية رقم [ 75 ] ، من سورة ( الأنفال ) ، مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ : ظهر لهم واتضح ، وانظر الآية رقم [ 43 ] ، الْجَحِيمِ : النار الشديدة . روى مسلم عن سعيد بن المسيب عن أبيه - رضي اللّه عنهما - ، قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فوجد عنده أبا جهل ، وعبد اللّه بن أبي أمية بن المغيرة ، فقال رسول اللّه : « يا عمّ ، قل : لا إله إلّا اللّه كلمة أشهد لك بها عند اللّه » . فقال أبو جهل وعبد اللّه بن المغيرة : أترغب يا أبا طالب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل الرسول العظيم يعرضها عليه ، ويعيد له تلك المقالة حتى قال لهم أبو طالب آخر ما كلمهم به : هو على ملة عبد المطلب ، وأبى أن يقول : لا إله إلا اللّه ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أما واللّه لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنه » . فأنزل اللّه الآية الكريمة ، وأنزل في شدة حرصه صلّى اللّه عليه وسلّم على إسلام أبي طالب : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ . هذا ؛ وقد استبعد بعضهم نزول هذه الآية في شأن أبي طالب ، وذلك لأن وفاته كانت في مكة أول الإسلام ، وهذه السورة آخر ما نزل من القرآن في المدينة المنورة ، وأجيب بأنه لما نزلت الآية إِنَّكَ لا تَهْدِي . . . إلخ في مكة ، وفي حياة أبي طالب ، فقال عليه الصلاة والسّلام ما تقدم في الحديث ، فيحتمل أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يستغفر له في بعض الأوقات إلى أن نزلت هذه الآية ، فمنع من الاستغفار ، واللّه أعلم بمراده وأسرار كتابه . انتهى . خازن بتصرف كبير . وهناك أحاديث كثيرة تبين أن أبا طالب خالد في النار ، ولكن يخفف عنه العذاب بسبب ما صنع مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من ذبّ عنه ، وحماية له ، فخذ هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه أنه سمع النبي عليه الصلاة والسّلام ، وذكر عنده عمه أبو طالب ، فقال : « لعلّه تنفعه شفاعتي يوم القيامة ، فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه ، تغلي منه أمّ دماغه » ، وفي رواية « يغلي منه دماغه من حرارة نعليه » . متفق عليه . تنبيه : وقيل : لما فتح الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم مكة المكرمة ، خرج إلى الأبواء ، فزار قبر أمه ، ثم قام مستعبرا ، فقال : « إنّي استأذنت ربّي ، في زيارة قبر أمّي ، فأذن لي ، واستأذنته في الاستغفار لها ، فلم يأذن لي ، وأنزل عليّ الآيتين » . رواه أبو هريرة وغيره مع اختلاف في بعض الألفاظ . وقال قتادة : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لأستغفرنّ لأبي ، كما استغفر إبراهيم لأبيه » . فأنزل اللّه الآية ، وروى الطبراني بسنده عنه ، قال : ذكر لنا أن رجالا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قالوا : يا نبي اللّه ! إن من آبائنا من كان يحسن الجوار ، ويصل الأرحام ، ويفك العاني ، ويوفي بالذمم ، أفلا نستغفر لهم ؟ فقال عليه الصلاة والسّلام : « بلى واللّه لأستغفرنّ لأبي ، كما استغفر إبراهيم لأبيه » . فأنزل اللّه عز وجل الآية .