الشيخ محمد علي طه الدرة

229

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 106 ] وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 106 ) الشرح : وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ أي : وآخرون من المتخلفين عن غزوة تبوك مؤخرون وموقوف أمرهم لحكم اللّه تعالى فيهم ، و مُرْجَوْنَ من : أرجيته ، أي : أخرته ، ويقرأ بالهمزة مرجؤون من أرجأته ، أي : أخرته أيضا ، وهذا كقراءتهم في الأحزاب : ( ترجئ ) بالهمز ، وبدونه ، وهما لغتان ، يقال : أرجأته ، وأرجيته كأعطيته ، ويحتمل أن يكونا أصليين بنفسهما ، وأن تكون الياء بدلا من الهمزة ؛ لأنه قد عهد تحقيقها إلى الياء كثيرا ، كقرأت وقريت ، وتوضأت وتوضيت . انتهى . جمل نقلا عن السمين . وانظر أَرْجِهْ في الآية رقم [ 111 ] من سورة ( الأعراف ) . إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ : إِمَّا هاهنا للشك ، واللّه سبحانه عالم بمصير الأشياء ، ولكن المخاطبة للعباد على ما يعرفون ، أي : ليكن أمرهم عندكم على الرجاء ؛ لأنه ليس للعباد أكثر من هذا . انتهى . قرطبي . وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ : مر معنا كثير من هذا ، وقرئ : ( واللّه غفور رحيم ) هذا ؛ والآية نزلت في الثلاثة الذين يجيء ذكرهم في الآية رقم [ 118 ] . قال بعض المفسرين : إن اللّه تبارك وتعالى قسم المتخلفين عن غزوة تبوك إلى ثلاثة أقسام : أولهم : المنافقون ، وهم الذين مردوا على النفاق واستمروا عليه . والقسم الثاني : التائبون ، وهم الذين سارعوا إلى التوبة ، بعد ما اعترفوا بذنوبهم ، وهم أبو لبابة وأصحابه ، فقبل اللّه توبتهم . والقسم الثالث : موقوفون ومؤخرون إلى أن يحكم اللّه فيهم ، وهم المراد بقوله تعالى : وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ . والفرق بين القسم الثاني والثالث ، أن القسم الثاني : سارعوا إلى التوبة والندم ، فقبل اللّه توبتهم ، والقسم الثالث : توقفوا ولم يسارعوا إلى التوبة ، فأخر اللّه أمرهم ، وهذه الآية نزلت في الثلاثة الذين تخلفوا ، وهم ( كعب بن مالك ، وهلال بن أمية ، ومرارة بن الربيع ) ، انتهى خازن بتصرف . ويلغز فيهم ، فيقال : أول أسمائهم مكة ، وآخر أسمائهم عكة . ( إما ) الثانية عاطفة عند أكثرهم ، وزعم يونس والفارسي وابن كيسان : أنها غير عاطفة كالأولى ، ووافقهم ابن مالك لملازمتها غالبا الواو العاطفة ، ونقل ابن عصفور الإجماع على أن الثانية غير عاطفة كالأولى . ول « إما » خمسة معان : أحدها : الشك ، نحو : « جاءني إمّا زيد وإما عمرو » ، إذا لم تعلم الجائي منهما .