الشيخ محمد علي طه الدرة
113
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
والعهود استعارة ، وانظر الآية رقم [ 102 ] الأعراف . وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ : عابوا دينكم بصريح التكذيب ، وتقبيح الأحكام ، أو قدحوا في أصوله وقواعده ، هذا ؛ ومضارع طعن : يطعن ، بضم عين المضارع في كل ما هو حسي كيطعن في الرمح ونحوه ، وأما المعنوي كيطعن في النسب أو في الدين فهو بفتح العين ، وأجاز الفراء فتح العين فيه في جميع تصرفاته ومعانيه لمكان حرف الحلق ، أي : فهو من الباب الثالث لوجود حرف الحلق فيه ، وهو العين . هذا ؛ والطعن المعنوي استعارة من الحسي كما هو ظاهر ، فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ أي : فقاتلوهم ، فوضع الاسم الظاهر مكان الضمير للدلالة على أنهم صاروا بذلك ذوي الرياسة ، والتقدم في الكفر أحقاء بالقتل . وما نقله الخازن عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - من أن الآية نزلت في زعماء قريش يبعده أن نزولها في السنة التاسعة ، وكانت شوكة قريش في تلك السنة قد قضي عليها ، فلم يبق منهم إلا مسلم أو مسالم بعد فتح مكة ، فعلى هذا يكون كل من نقض العهد ، وتبعه غيره في ذلك يكون من أئمة الكفر . إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ أي : لا عهود لهم بمعنى : لا وفاء لهم بالعهود والمواثيق ، وقرئ بكسر الهمزة بمعنى : لا دين لهم ولا تصديق ، وهو بفتح الهمزة جمع : يمين ، والمراد به : الحلف باللّه ، أو بصفة من صفاته ، أو باسم من أسمائه ، واليمين أيضا اليد اليمنى ، وتجمع أيضا على أيمان ، كما في قوله تعالى : أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وهو كثير في القرآن الكريم . لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ : عن كفرهم ومعاداتهم للإسلام وأهله ، والمعنى : ليكن غرضكم ، وغايتكم من قتالهم انتهاءهم عما هم عليه ؛ لا مجرد إيذائهم ، كما هو شأن المؤذين ، وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [ 58 ] الأنفال . هذا ؛ وأئمة جمع : إمام ، وهو من يقتدى به في فعل الخير ، وقد يكون قدوة في الشر ، فهنيئا للأول ، وويل للثاني ، والمراد به هنا : زعماء الكفار ورؤساؤهم ، وأصله أأممة مثل : خباء وأخبية ، فنقلت حركة الميم الأولى إلى الهمزة الساكنة ، وأدغمت في الميم الأخرى ، فمن حقق الهمزتين أخرجهما على الأصل ، ومن قلب الثانية ياء فلكسرتها المنقولة إليها ، ولا يجوز هنا أن تجعل بين بين ، كما جعلت همزة أئذا ؛ لأن الكسرة هنا منقولة ، وهناك أصلية ، ولو خففت الهمزة الثانية هنا على القياس ، لكانت ألفا ؛ لانفتاح ما قبلها ، ولكن ترك ذلك لتتحرك حركة الميم في الأصل ، وفيها ثلاث قراءات مشهورة . تنبيه : استدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب قتل كل من طعن في الدين ؛ إذ هو كافر ، والطعن أن ينسب إليه ما لا يليق به ، أو يعترض بالاستخفاف على ما هو من الدين ، لما ثبت من الدليل القطعي على صحة أصوله ، واستقامة فروعه ، وقال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن من سب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عليه القتل . انتهى . قرطبي . أقول : سواء أكان من المسلمين أم من الكافرين يقتل ، واختلفوا إذا سبه ، ثم أسلم تقية من القتل ، فقيل : يسقط بإسلامه قتله ؛ لأن الإسلام يجب ما قبله ، بخلاف المسلم إذا سبه ثم تاب ، قال اللّه عز وجل قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وقيل : لا يسقط الإسلام قتله .