الشيخ محمد علي طه الدرة
7
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
والمراد ب : الْأَنْعامِ الأزواج الثمانية المذكورة في سورة ( الأنعام ) وهي : الإبل ، والبقر ، والغنم ، والماعز ، ويلحق بها الظباء ، وبقر الوحش ، وما يماثلها في الاجترار ، وعدم الأنياب دون ذوات الحافر . إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ : إلا ما يقرأ عليكم تحريمه ، أي : في الآية التالية ، ونحوها ، وفي السنة أيضا قول الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « كلّ ذي ناب من السّباع ، فأكله حرام » . قال القرطبي - رحمه اللّه تعالى - : وهذه الآية ممّا تلوح فصاحتها ، وكثرة معانيها على قلّة ألفاظها لكلّ ذي بصيرة بالكلام ، فإنّها تضمّنت خمسة أحكام : الأول : الأمر بالوفاء بالعقود . الثاني : تحليل بهيمة الأنعام . الثالث : استثناء ما يلي بعد ذلك . الرّابع : استثناء حال الإحرام فيما يصاد . الخامس : ما تقتضيه الآية من إباحة الصّيد لمن ليس بمحرم . وحكى النقاش : أنّ أصحاب الكندي قالوا له : أيّها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن . فقال : نعم أعمل مثل بعضه ، فاحتجب أياما كثيرة ثمّ خرج ، فقال : واللّه ما أقدر ، ولا يطيق هذا أحد ، إنّي فتحت المصحف ، فخرجت سورة المائدة ، فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء ، ونهى عن النكث ، وحلّل تحليلا عاما ، ثم استثنى استثناء بعد استثناء ، ثمّ أخبر عن قدرته ، وحكمته في سطرين ، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا إلا في أجلاد . انتهى . تنبيه : فسر ابن عباس - رضي اللّه عنهما - بهيمة الأنعام بالجنين ، والأجنّة التي توجد ميتة في بطون أمهاتها ؛ إذا ذبحت ، أو نحرت ، ذهب أكثر العلماء في تحليلها ، وهو مذهب الشّافعي ، ويدلّ عليه ما روي عن أبي سعيد الخدري - رضي اللّه عنه - عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : أنّه قال في الجنين : « ذكاته ذكاة أمّه » . أخرجه الترمذيّ ، وابن ماجة . وفي رواية أبي داود ؛ قال : قلنا : يا رسول اللّه ! ننحر الناقة ، ونذبح البقرة ، والشاة ، ونجد في بطنها الجنين ، أنلقيه ، أم نأكله ؟ قال : « كلوه إن شئتم ، فإنّ ذكاته ذكاة أمّه » . وشرط بعضهم الإشعار ، وتمام الخلق ، قال ابن عمر - رضي اللّه عنهما - : ذكاة ما في بطنها ذكاتها ؛ إذا تمّ خلقه ، ونبت شعره . ومثله عن سعيد بن المسيّب - رحمه اللّه تعالى - وقال أبو حنيفة رحمه اللّه تعالى : لا يحل أكل الجنين ؛ إذا خرج بعد ذكاة الأم ميتا . وقوله تعالى : وَأَنْتُمْ حُرُمٌ المعنى : أحل لكم ما تقدّم ذكره ما عدا صيد الوحوش في حال إحرامكم بحجّ ، أو عمرة ، أو في حال وجودكم بأرض الحرم فإنّ الصيد في هاتين الحالتين محرّم عليكم . إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ يعني : أنّ اللّه يقضي في خلقه ما يشاء من تحليل ما أراد تحليله ، وتحريم ما أراد تحريمه ، وفرض ما يشاء أن يفرضه عليكم من أحكامه ، وفرائضه ممّا فيه مصلحة لعباده ، لا اعتراض عليه ، ولا معقّب لحكمه . الإعراب : ( يا ) : أداة نداء تنوب مناب أدعو ، أو أنادي . ( أيّها ) : منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب : ( يا ) . و ( ها ) : حرف تنبيه لا محلّ له من الإعراب ، وأقحم