الحسن بن محمد الديلمي

218

إرشاد القلوب

وبالجملة أما العبادات الخمس الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد فقد أتى بها جميعا وبلغ الغاية في كل واحد منها ومقاماته العظيمة في التهجد والخشوع والخوف من الله تعالى لم يسبقه إليها سوى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أنه قال عليه السلام الجلسة في المسجد خير لي من الجلسة في الجنة فإن الجنة فيها رضا نفسي والجامع فيه رضا ربي أفلا تنظرون إلى ما وصفه ضرار بن ضمرة الليثي من مقاماته عليه السلام حين دخل على معاوية فقال له صف لي عليا فقال أولا تعفيني عن ذلك فقال لا أعفيك فقال كان والله بعيد المدى شديد القوى يقول فصلا ويحكم عدلا يتفجر العلم من جوانبه وتنطلق الحكمة من نواحيه يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنف بالليل ووحشته كان والله غزير العبرة طويل الفكرة يقلب كفه ويخاطب نفسه ويناجي ربه يعجبه من اللباس ما خشن ومن الطعام ما جشب كان والله فينا كأحدنا يدنينا إذا سألناه وكنا مع دنوه منا وقربنا منه لا نكلمه لهيبته ولا نرفع أعيننا إليه لعظمته فإن تبسم ظهر أسنانه مثل اللؤلؤ المنظوم يقرب أهل الدين ويحب المساكين لا يطمع القوي في باطلة ولا ييأس الضعيف من عدله فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه وهو قائم في محرابه قابض على لحيته يتململ تململ السقيم ويبكي بكاء الحزين فكأني الآن أسمعه وهو يقول يا دنيا يا دنيا أبي تعرضت أم إلي تشوقت هيهات هيهات غري غيري لا حاجة لي فيك قد طلقتك ثلاثا لا رجعة لي فيك فعمرك قصير وأملك حقير آه آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق وعظم المورد فسالت دمعة معاوية على لحيته فنشفها بكمه واختنق القوم بالبكاء . ثم قال كان والله أبو الحسن علي كذلك فكيف صبرك عنه يا ضرار قال صبر من ذبح ولدها على صدرها فهي لا ترقى عبرتها ولا تسكن حرارتها ثم قام فخرج وهو باك فقال معاوية أما إنكم لو تفقدوني لما كان فيكم من يثني على هذا الثناء فقال بعض من كان حاضرا الصاحب على قدر صاحبه . وروي أنه عليه السلام كان إذا يفرغ من الجهاد يتفرغ لتعليم الناس والقضاء بينهم