الشيخ محمد علي طه الدرة
94
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
أبيهم ، وتكريمه ، بجعله خليفة ، وإسكانه دار الكرامة ، وإسجاد الملائكة تعظيما لشأنه ، ولا شك : أنّ الإحسان بذلك ؛ لأنه من وجوه النّعم الّتي أنعم بها عليهم . انتهى . صفوة التفاسير . وَإِذْ قالَ : « إذ » و « إذا » حرفا توقيت ، ف « إذ » للماضي ، و « إذا » للمستقبل ، وقد توضع إحداهما موضع الأخرى ، وقال المبرّد : إذا جاء « إذ » مع مستقبل ، كان معناه ماضيا ، نحو قوله تعالى : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ وقوله جلّ ذكره : وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ معناه : إذ مكروا ، وإذ قلت ، وإذا جاء « إذا » مع الماضي ؛ كان معناه مستقبلا ، كقوله تعالى : فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ ، فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ وقوله تعالى : إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ معناه : يجيء ، ويجب إضافتهما إلى الجمل ك « حيث » في المكان ، وبنيتا تشبيها لهما بالموصولات ، واستعملتا للتعليل ، والمجازاة ، ومحلهما النصب أبدا بالظرفية ، فإنهما من الظروف الغير متصرفة . لِلْمَلائِكَةِ : جمع : ملك . والهاء في الملائكة تأكيد لتأنيث الجمع ، ومثله : الصّلادمة ، والصّلادم : الخيل الشداد ، واحدها : صلدم ، وقيل : هي للمبالغة كعلّامة ، ونسابة . وقال أرباب المعاني : خاطب اللّه الملائكة لا للمشورة ، لكن لاستخراج ما فيهم من رؤية الحركات ، والعبادة ، والتسبيح ، والتقديس ، ثم ردهم إلى قيمتهم ، فقال عز وجل : اسْجُدُوا لِآدَمَ . * هذا ؛ والملائكة : أجسام نورانية لطيفة ، قادرة على التشكّل ، والتمثّل بأيّة صورة أرادوا ، لا يأكلون ، ولا يشربون ، لا يبولون ، ولا يتغوطون ، لا ينامون ، ولا يموتون ، لا يعصون اللّه ما أمرهم ، ويفعلون ما يؤمرون ، لا يتناسلون ، ولا يتناكحون ، يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس ، لا يوصفون بذكورة ، ولا بأنوثة ، فمن وصفهم بذكورة فسق ، ومن وصفهم بأنوثة كفر ، ولهم قدرة خارقة ، ولا تحكم عليهم الصّورة ، وهم كثيرون لا يعلم عددهم إلا اللّه تعالى ، قال تعالى في سورة المدثر الآية رقم [ 31 ] : وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ يقومون بأعمال مختلفة ، كلّ فيما وكل إليه من أعمال . ورؤساؤهم عشرة : جبريل ، وميكائيل ، وإسرافيل ، وعزرائيل ، ورقيب ، وعتيد ، ومنكر ، ونكير ، ورضوان خازن الجنة ، ومالك خازن النار . ويتشكّلون بأشكال حسنة . ومعنى لا تحكم عليهم الصورة : أنّ الملك إذا تصور بصورة ما ، وسدّد إنسان سهما نحوه ، أو جني عليه بجناية ؛ فلا يناله شيء من الأذى ، بخلاف الجنّي إذا تصور بصورة ما ؛ فيجري عليه حكم الصورة بلحوق الأذى إليه . وانظر ما ذكرته في سورة ( الجنّ ) تجد ما يسرك ، ويثلج صدرك . خَلِيفَةً : يخلفني في تنفيذ أحكامي في الأرض . وأفاد كلام ابن عباس ، وابن مسعود - رضي اللّه عنهما - وجميع أهل التأويل : أن المراد آدم ، عليه الصلاة والسّلام ، وهو خليفة اللّه في إمضاء أحكامه ، وأوامره ، لأنه أول رسول إلى الأرض ، كما في حديث أبي ذرّ - رضي اللّه عنه - قال : قلت : يا رسول اللّه ! أنبيّا كان مرسلا ؟ قال : « نعم » . وقد كان آدم رسولا إلى ولده ، وكانوا أربعين ولدا في عشرين بطنا ، في كل بطن ذكر ، وأنثى ، وتوالدوا حتى كثروا ، كما قال