الشيخ محمد علي طه الدرة
95
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
تعالى : خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً رقم [ 1 ] من سورة ( النساء ) . وأنزل عليه تحريم الميتة ، والدم ، ولحم الخنزير ، وعاش ألف سنة ، واللّه أعلم . قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها : أي بالمعاصي ، والمنكرات . وَيَسْفِكُ الدِّماءَ : السّفك : الصّبّ ، والإراقة ، ولا يستعمل إلا في الدم ، قال في المصباح : وسفك الدم : أراقه ، وبابه ضرب ، والمراد : يقتل ، ويستحلّ . وهذا السؤال ليس اعتراضا على اللّه ، وإنما هو على سبيل التعجب ، لا على سبيل الإنكار ، والاعتراض ، فإن قيل : من أين عرفوا : أن هذا الخليفة ، وذرّيته يفسدون في الأرض ، ويسفكون الدماء ؟ فالجواب : إنما عرفوا ذلك بإخبار اللّه تعالى ، أو من جهة اللّوح المحفوظ ، أو قاسوا أحد الثقلين ، أي : الإنس على الآخر ، وهم الجنّ ، فإن اللّه تعالى لما خلق الأرض أسكن فيها الجنّ ، وأسكن في السماء الملائكة ، فأفسدت الجنّ في الأرض ، فبعث إليهم طائفة من الملائكة ، فطردتهم إلى جزائر البحار ، ورؤس الجبال ، وأقاموا مكانهم . وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ أي : نقول : سبحان اللّه ، وبحمده ، وهي صلاة الخلق ، وبهما يرزقون ، فعن أبي ذرّ - رضي اللّه عنه - : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سئل : أي الكلام أفضل ؟ قال : « ما اصطفى اللّه لملائكته ، أو لعباده : سبحان اللّه وبحمده » . رواه الإمام مسلم . والتسبيح للّه أينما كان ؛ فمعناه تنزيه اللّه ، وتبرئته عن السّوء . روى طلحة بن عبيد اللّه - رضي اللّه عنه ، أحد العشرة المبشرين بالجنة - ، قال : سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن تفسير « سبحان اللّه » فقال : « هو تنزيه اللّه عزّ وجلّ عن كل سوء » . وخذ ما يلي : فعن سليمان بن يسار عن رجل من الأنصار : أنّ النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « قال نوح لابنه : إنّي موصيك بوصيّة ، وقاصرها ؛ لكي لا تنساها ، أوصيك باثنتين ، وأنهاك عن اثنتين ، أمّا اللتان أوصيك بهما ؛ فيستبشر اللّه بهما وصالح خلقه ، وهما يكثران الولوج على اللّه ، أوصيك : بلا إله إلا اللّه ، فإنّ السماوات والأرض لو كانتا حلقة قصمتهما ، ولو كانتا في كفّة وزنتهما ، وأوصيك : بسبحان اللّه وبحمده ، فإنّهما صلاة الخلق ، وبهما يرزق الخلق وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً . وأمّا اللتان أنهاك عنهما ، فيحتجب اللّه منهما وصالح خلقه : أنهاك عن الشّرك والكبر » . رواه النسائي . وَنُقَدِّسُ لَكَ التقديس : التعظيم ، والتطهير ، والمعنى : نطهرك عن النقائص وعن كل سوء ، ونصفك بما يليق بعزك ، وجلالك من العلوّ ، والعظمة ، ونطهّر ذكرك مما نسبه إليك الملحدون . قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ أي : إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد ؛ التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم ، فإني أجعل فيهم الأنبياء ، وأرسل فيهم الرسل ، ويوجد منهم الصدّيقون ، والشهداء ، والصّالحون ، والعبّاد ، والزهّاد ، والأولياء ، والأبرار ، والمقرّبون ، والعلماء العاملون ، والخاشعون ، والمحبّون له تبارك وتعالى ، المتّبعون رسله ، صلوات اللّه وسلامه عليهم .