الشيخ محمد علي طه الدرة
88
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ : الميثاق : العهد المؤكد باليمين ، والجمع : مواثيق على الأصل ؛ لأنّ أصل ميثاق : موثاق ، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها ، ومثله : ميزان ، وميعاد ، ونحوهما . وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ من الإيمان بالرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم وصلة الأرحام ، وموالاة المؤمنين ، وعدم التفرقة بين الرسل ، والكتب في التصديق ، فهي عامة في كل ما أمر اللّه تعالى به أن يوصل ، والرحم جزء من هذا . وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بالكفر ، والمعاصي ، والظّلم ، وإثارة الفتن ، والتعويق عن الإيمان ، والصدّ عن سبيل اللّه بالتّرغيب أحيانا ، وبالتّرهيب أحيانا أخرى . أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ حيث استبدلوا المعصية بالطاعة ، والفساد بالصلاح ، والعقاب بالثواب . هذا وقال القرطبي - رحمه اللّه تعالى - : في هذه الآية دليل على أنّ الوفاء بالعهد ، والتزامه ، وكل عهد جائز ألزمه المرء نفسه ، فلا يحل له نقضه سواء أكان بين مسلم أم غيره ، لذمّ اللّه تعالى من نقض عهده ، وقد قال تعالى : وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ [ الإسراء : 34 ] . انتهى . هذا وقيل في تفسير الخازن : إنّه جعل لكلّ واحد من بني آدم منزل في الجنة ، ومنزل في النار ، فإذا كان يوم القيامة جعل اللّه للمؤمنين منازل الكفار التي في الجنة ، وجعل للكفار منازل المؤمنين التي في النار ، فذلك هو الخسران ، وأيّ خسران أعظم من هذا الخسران ؟ ! وفي سنن ابن ماجة عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما منكم من أحد إلّا له منزلان : منزل في الجنّة ، ومنزل في النار ، فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله » فذلك قوله تعالى في سورة ( المؤمنون ) ، الآية رقم [ 10 ] : أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ . هذا ؛ والآية الكريمة مذكورة في سورة ( الرّعد ) رقم [ 25 ] . الإعراب : الَّذِينَ : اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب بدلا من الْفاسِقِينَ أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره : أذم ، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف ، التقدير : هم الذين ، أو هو مبتدأ خبره ما يأتي بعده . يَنْقُضُونَ : فعل مضارع مرفوع ، والواو فاعله . عَهْدَ : مفعول به ، وهو مضاف و اللَّهِ مضاف إليه ، من إضافة المصدر لمفعوله ، وفاعله محذوف ، التقدير : عهدهم اللّه ، أي معاهدتهم اللّه . مِنْ بَعْدِ : متعلقان بالفعل قبلهما ، وقيل : مِنْ زائدة . وليس بشيء . بَعْدِ مضاف و مِيثاقِهِ : مضاف إليه . والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله على اعتباره عائدا على « العهد » وفاعله مستتر فيه ، أو من إضافة المصدر لفاعله على اعتباره عائدا على اللَّهِ ، وجملة : يَنْقُضُونَ . . . إلخ : صلة الموصول لا محل لها . وَيَقْطَعُونَ : الواو : حرف عطف . ( يَقْطَعُونَ ) : فعل مضارع مرفوع وفاعل . ما : اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ، وجملة : أَمَرَ اللَّهُ بِهِ : صلته . أَنْ : حرف ناصب . يُوصَلَ : فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب أَنْ ونائب الفاعل يعود إلى الموصول ، وهو العائد : و أَنْ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بدل من