الشيخ محمد علي طه الدرة

83

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

فأخبر اللّه : أنه لا يستصغر شيئا يضرب به مثلا ، ولو كان في الحقارة والصغر كالبعوضة . فكما لا يستنكف عن خلقها ، كذلك لا يستنكف من ضرب المثل بها ، كما ضرب المثل بالذباب ، والعنكبوت . انتهى مختصر ابن كثير بتصرف . فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا : أي : باللّه ، ورسوله . فَيَعْلَمُونَ : فيعتقدون ، ويوقنون : أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ الحق : خلاف الباطل وضده ، قال الراغب - رحمه اللّه تعالى - : أصل الحق : المطابقة ، والموافقة ، كمطابقة رجل الباب في حقّه لدورانه على الاستقامة ، والحقّ يقال لموجد الشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة ، ولذلك قيل في اللّه تعالى : هو الحق ، وللموجود بحسب مقتضى الحكمة : حقّ ، ولذلك يقال الشيء نفسه ، نحو اعتقاد زيد في الجنة حقّ ، وللفعل ، والقول الواقعين بحسب ما يجب ؛ أي أثبته حقّا ، أو حكمت بكونه حقّا . بغدادي . وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا : قال القرطبي رحمه اللّه تعالى : لغة تميم وبني عامر في « أَمَّا » : « أيما » يبدلون من إحدى الميمين ياء كراهية التضعيف ، وعلى هذا ينشد بيت عمر بن أبي ربيعة ، وهو الشاهد رقم [ 84 ] من كتابنا : « فتح القريب المجيب » : [ الطويل ] رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت * فيضحى وأمّا بالعشيّ فيخصر وانظر الشاهد رقم [ 89 ] منه أيضا فإنه جيد ، والكلام عليه أجود . ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا أي : وأما الذين كفروا ؛ فيتعجبون ، ويقولون : ما الذي أراده اللّه من ضرب الأمثال بهذه الأمور الحقيرة ، وإنما سمّوه مثلا ؛ لأنه استعارة من المثل المضروب ؛ لأنه ما غرب من الكلام وبدع استغرابا منهم لهذا المثل ، واستبعادا له ، وتحقيرا له أيضا . يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً : أي يضل بهذا المثل كثيرا من الكافرين لكفرهم به ، ويهدي به كثيرا من المؤمنين لتصديقهم به ، فيزيد أولئك ضلالة ، وهؤلاء هدى . هذا ؛ ومثل هذه الآية الآية رقم [ 31 ] من سورة المدثر . وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ أي : وما يضل بهذا المثل أو بهذا القرآن إلا الخارجين عن طاعة اللّه الجاحدين بآياته . هذا ؛ وقال علماء التوحيد : ليس معنى إضلال اللّه لفريق ، وهدايته لفريق آخر : أنه تعالى يجبر كلّا منهما على الضلالة ، والهدى ، ولا أنه سبحانه يكرههم على سلوك سبيلي الخير والشر ، كلّا ، فإن هذا الإكراه مناف للعدل الإلهي ، بل مناف لحكمة التشريع السّماوي ، ولا يتفق مع نصوص الشريعة المتواترة ، القاطعة الدالة على أن العبد له إرادة ، واختيار ، هما مناط التكليف ، والمؤاخذة ، وكذلك فهم الصحابة والسلف الصالح ، سأل رجل عليّا - رضي اللّه عنه - فقال : أكان مسيرك إلى الشام يعني : « لقتال أهلها » بقضاء اللّه ، وقدره ، فقال له : ويحك ! لعلّك ظننت قضاء لازما ، وقدرا حاتما ! ولو كان كذلك ؛ لبطل الثواب ، والعقاب ، وسقط الوعد ، والوعيد ، إنّ اللّه سبحانه أمر عباده تخييرا ، ونهاهم تحذيرا ، وكلّف يسيرا ، ولم يكلف عسيرا ،