الشيخ محمد علي طه الدرة
84
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
ولم ينزل الكتاب عبثا ، ولا خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ . وعلى ضوء هذا يفهم معنى الهداية ، والإضلال . انتهى . صابوني . ولا تنس المقابلة بين : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وهو من المحسنات البديعية . هذا ؛ وقدم الإضلال على الهداية ؛ ليكون أول ما يقرع أسماعهم من الجواب أمرا فظيعا يسوءهم ، ويفتّ أعضادهم ، وأوثرت صيغة الاستقبال إيذانا بالتجدد ، والاستمرار . هذا و ( القول ) يطلق على خمسة معان : أحدها : اللفظ الدّال على معنى . الثاني : حديث النفس ، ومنه قوله تعالى : وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ الآية رقم [ 8 ] من سورة ( المجادلة ) . الثالث : الحركة ، والإمالة ، يقال : قالت النّخلة ؛ أي : مالت . الرابع : ما يشهد به الحال ، كما في قوله تعالى في سورة ( فصلت ) رقم [ 11 ] : قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ . الخامس : الاعتقاد . كما تقول : هذا قول الأشاعرة ، وهذه مقالة المعتزلة ؛ أي : ما يعتقدونه . وانظر شرح الكلام في الآية رقم [ 75 ] . أمّا الإرادة فهي : نزوع النفس ، وميلها إلى الفعل ؛ بحيث يحملها عليه ، ويقال للقوة الّتي هي مبدأ النزوع ، والأول مع الفعل ، والثاني قبله ، وكلا المعنيين غير متصور اتصاف الباري تعالى به ، ولذا اختلف في معنى إرادته ، فقيل : إرادته لأفعاله : أنّه غير ساه ، ولا مكره ، ولأفعال غيره : أمره بها ، فعلى هذا لم تكن المعاصي بإرادته . وقيل : علمه باشتمال الأمر على النظام الأكمل ، والوجه الأصلح . انتهى بيضاوي بتصرف . وانظر الآية رقم [ 184 ] الآتية تجد ما يسرك . هذا ؛ و ( الإضلال ) : خلق فعل الضلال في العبد ، و ( الهداية ) خلق فعل الاهتداء فيه ، هذا هو الحقيقة عند أهل السنة . انتهى نسفي . قال تعالى في سورة الأعراف رقم [ 29 ] : فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ وعن عبد اللّه بن عمرو - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ اللّه خلق الخلق في ظلمة ، فألقى عليهم من نوره ، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ، ومن أخطأه ضلّ » . أخرجه الترمذيّ . وقد يعترض بعض الناس على خلق فعل الضلال في العبد ، فيقول : إذا لا مؤاخذة على العبد ، والجواب : أن معنى خلق . . . إلخ ، تقدير ضلاله ، وهذا التقدير مبني على علم اللّه الأزلي بأن هذا العبد لو ترك وشأنه لم يختر سوى الكفر والضلال ، ولذا قدره اللّه عليه ، هذا بالإضافة إلى اختياره الضّلال بعد أن بين اللّه الخير ، والشر ، والحسن ، والقبيح ، كما قال تعالى في سورة ( البلد ) : وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ أي : بينا له طريق الخير والشر . وأخيرا خذ قوله تعالى في سورة ( الأنبياء ) رقم [ 23 ] : لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ . ومذهب المعتزلة بخلاف هذا ؛ لأنهم يقولون : إن العبد يخلق أفعال نفسه بقدرة خلقها اللّه فيه . وأخيرا : ف الْفاسِقِينَ جمع : فاسق ، وهو الخارج عن حدّ الإيمان ، وأصل الفسق : الخروج عن حد القصد ، والفاسق في الشرع : الخارج عن أمر اللّه بارتكاب المعاصي ، وله ثلاث