الشيخ محمد علي طه الدرة
82
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
والحياء بالمعنى المتقدم مستحيل في حقّ اللّه تعالى ، بل المراد منه في حقه تعالى : التّرك اللازم للانقباض ، كما ورد في قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ اللّه حييّ كريم يستحيي من العبد إذا رفع إليه يديه أن يردّهما صفرا خائبتين » . أخرجه أبو داود ، والترمذي ، وحسنه عن سلمان الفارسي - رضي اللّه عنه - ، وقال الزمخشري : أي : لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي أن يتمثل بها لحقارتها . وقول له آخر : هو من باب المشاكلة . أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا : معناه : يبيّن ، فيتعدّى لواحد ، وقيل : معناه : التصيير ، فيتعدّى لاثنين ، نحو : ضربت الطين لبنا ، وقال بعضهم : لا يتعدّى لاثنين إلا مع المثل خاصّة . بَعُوضَةً : واحدة البعوض ، وهو صغار البق ، واشتقاقه من البعض ، وهو القطع ، ومنه بعض الشيء ؛ لأنه قطعة منه ، وقد بعضته تبعيضا ، أي : جزأته ، فتبعّض ، وسميت البعوضة بذلك لصغرها . فَما فَوْقَها . والبعوض من عجيب خلق اللّه تعالى فإنه في غاية الصّغر ، وله ستة أرجل ، وأربعة أجنحة ، وذنب ، وله خرطوم مجوف ، وهو مع صغره يغوص خرطومه في جلد الفيل ، والجاموس ، والجمل ، فيبلغ منه الغاية ؛ حتى إنّ الجمل ليموت من قرصه . انتهى . خازن . قال القرطبي : والفاء بمعنى « إلى » أي : إلى ما فوقها ، وهذا قول الكسائي ، والفراء أيضا . وهذا قاله ابن هشام في مغني اللبيب في الآية نفسها ، واستأنس بهذه الآية ، ليثبت : أنّ الفاء وقعت بمعنى « إلى » في قول امرئ القيس في أول معلقته ، وهو الشاهد رقم [ 293 ] من كتابنا : « فتح القريب المجيب » : [ الطويل ] قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل انظر الكلام عليه إن كنت من أهل مغني اللبيب تجد الكلام عليه طويلا وعريضا ، واعتبر من العكس ، أي : مجيء « إلى » بمعنى الفاء في قول كثير عزّة ، وهو الشاهد رقم [ 295 ] من كتابنا المذكور : [ الطويل ] وأنت الّتي حبّبت شغبا إلى بدا * إليّ وأوطاني بلاد سواهما هذا وفي الفوقية قولان : أحدهما : فما دونها في الصّغر ، والحقارة ، كما إذا وصف رجل باللؤم والشّحّ ، فيقول السامع : نعم هو فوق ذلك ، يعني : فيما وصفت ، وهذا قول أكثر المحققين ، قال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو كانت الدّنيا تعدل عند اللّه جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء » . رواه ابن ماجة ، والترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح عن أبي سهل بن سعد - رضي اللّه عنه - . والثاني : فَما فَوْقَها لما هو أكبر منها ؛ لأنه ليس شيء أحقر ، ولا أصغر من البعوضة . وهذا قول قتادة بن دعامة ، واختيار ابن جرير ، فإنه يؤيد ما رواه مسلم عن عائشة - رضي اللّه عنها - : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتب له بها درجة ، ومحيت عنه بها خطيئة » .