الشيخ محمد علي طه الدرة
702
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
بهم ، وإحسانه إليهم ، وهذه هي الناسخة الرافعة لما كان أشفق منه الصّحابة في قوله تعالى : وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ أي : هو وإن حاسب ، وسأل ؛ لكن لا يعذب إلا بما يملك الشّخص دفعه ، فأمّا ما لا يملك دفعه من وسوسة النّفس ، وحديثها ؛ فهذا لا يكلّف به الإنسان ، وكراهية الوسوسة السّيئة من الإيمان . فعن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - قال : جاء ناس من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فسألوه ، فقالوا : إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلّم به ، قال : « وقد وجدتموه ؟ ! » قالوا : نعم ، قال : « ذاك صريح الإيمان » أخرجه مسلم ، وسئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الوسوسة ، قال : « تلك صريح الإيمان » أخرجه مسلم أيضا . هذا وذكرت الجملة : لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها في سورة ( الأنعام ) رقم [ 152 ] بعد نهي ، وأمرين ، وذكرت في سورة ( الأعراف ) رقم [ 41 ] بعد ذكر الإيمان ، والعمل الصالح ؛ ليبين اللّه : أن المطلوب من التكاليف والأعمال الصالحة ما سهل فعله ، وما فيه عسر ، ومشقّة فلسنا مكلّفين بفعله ، وغير مؤاخذين بتركه ، والوسع : الطاقة ، والقدرة . لَها ما كَسَبَتْ : الضمير يعود إلى النفس . و لَها ما كَسَبَتْ من الخير وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ أي : من الشر ، أي : لا ينتفع بطاعتها أحد غيرها ، ولا يتضرّر بمعاصيها غيرها ، وتخصيص الكسب بالخير ، والاكتساب بالشّرّ ؛ لأن الاكتساب فيه اعتمال ، والشر تشتهيه النفس ، وتنجذب إليه ، فكانت أجدّ في تحصيله ، بخلاف الخير . انتهى . بيضاوي . وقال القرطبيّ - رحمه اللّه تعالى - : وجاءت العبارة في الحسنات ب لَها من حيث هي بما يفرح المرء بكسبه ، ويسرّ بها ، فتضاف إلى ملكه ، وجاءت السّيئات ب ( عَلَيْها ) من حيث هي أثقال ، وأوزار ، ومتحمّلات صعبة ، وهذا كما تقول : لي مال ، وعليّ دين ، وكرّر فعل الكسب ، فخالف بين التصريف حسنا لنمط الكلام ، كما قال تعالى : فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً قال ابن عطيّة - رحمه اللّه تعالى - : ويظهر لي في هذا أن الحسنات هي ما تكتسب دون تكلّف بها ؛ إذ كاسبها على جادة أمر اللّه تعالى ، ورسم شرعه ، والسيئات تكتسب ببناء المبالغة ؛ إذ كاسبها يتكلّف في أمرها خرق حجاب نهي اللّه تعالى ، ويتخطّاه إليها ، فيحسن في الآية مجيء التصريفين إحرازا لهذا المعنى ، وفي الجملتين ما يسمّى بالطباق المعنوي ، وهو من المحسّنات البديعيّة . رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا أي : لا تؤاخذنا ؛ إن حصل منا تفريط ، أو تقصير بحقّك بسبب نسيان ، أو خطأ ، لا عن عمد ، كما آخذت غيرنا ، وقد تكرّم اللّه على هذه الأمة ؛ حيث رفع عنها ذلك ؛ فعن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ ، والنّسيان ، وما استكرهوا عليه » رواه ابن ماجة ، وابن حبان ، وعن أمّ الدرداء - رضي اللّه عنها - عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنّ اللّه تجاوز لأمّتي عن ثلاث : عن الخطأ ، والنّسيان ،