الشيخ محمد علي طه الدرة
703
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
والاستكراه » وطلب رفع المؤاخذة اعتراف بنعمة اللّه علينا ، وقد كانت الأمم السابقة تؤاخذ بالخطأ ، والنّسيان . رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً . . . إلخ : الإصر : الأمر الغليظ الصعب ، ومنه قول النابغة : [ البسيط ] يا مانع الضّيم أن يغشى سراتهم * والحامل الإصر عنهم بعد ما عرفوا هذا وسميت التكاليف الشّاقّة إصرا ؛ لأنّها تثقل كاهل صاحبها ، ومنه قوله تعالى في سورة ( الأعراف ) رقم [ 157 ] وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ كما يسمى العهد والميثاق إصرا ؛ لأنّه ثقيل ، ومنه قوله تعالى في سورة ( آل عمران ) رقم [ 81 ] : قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي . كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا : المراد به ما كلّف به بني إسرائيل من قتل النفس في التّوبة ، وإخراج ربع المال في الزّكاة ، وقرض موضع النّجاسة ، ومن أصاب ذنبا أصبح ؛ وذنبه مكتوب على باب داره ، ونحو ذلك من الأثقال ، والآصار الّتي فرضت عليهم : كانوا يبتعدون عن المرأة في أيام حيضها ، وإذا جمعوا الغنائم لم يأكلوها ، بل تنزل نار من السّماء ، فتأكلها ، لذا دعاهم اللّه إلى الإيمان بمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ ليخفّف عنهم هذه الأحكام الشّاقة ، قال تعالى في سورة ( الأعراف ) رقم [ 157 ] : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ . هذا ؛ والإصرار : العهد ، قال تعالى في سورة ( آل عمران ) رقم [ 81 ] : قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي . رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ أي : من التّكاليف الشّاقّة ، أو من العقوبات ، والمصائب ، والشّدائد التي لا نستطيع حملها ، وقيل : هيجان الغلمة ، والعزوبة ، وقيل : هو الفرقة ، والقطيعة ، وقيل : هو حديث النفس ، والوسوسة ، كما تقدم . وَاعْفُ عَنَّا أي : تجاوز عن ذنوبنا ، وسيئاتنا . وَاغْفِرْ لَنا : استر علينا ذنوبنا ، ولا تفضحنا ، والغفر : الستر . وَارْحَمْنا : تغمّدنا برحمتك التي تنجّينا بها من عقابك ، فإنه ليس بناج من عقابك ، وسخطك إلا من رحمته ، وأصل الرّحمة : رقّة تقتضي الإحسان إلى المرحوم ، ولهذا وصف بها اللّه تعالى ، فليس يراد إلا الإحسان المجرد ، والتفضّل على العباد دون الرقّة ، وقيل : إنّ طلب العفو هو أن يسقط عنه عقاب ذنوبه ، وطلب المغفرة هو أن يستر عليه صونا له من الفضيحة ، كأن العبد يقول : أطلب منك العفو ، وإذا عفوت عنّي ، فاستره عليّ ، فإذا عفا اللّه عن العبد ، وستره ، وتعطّف عليه بالرّحمة - التي هي الإنعام والإحسان - فإنه يفوز بالنعيم والثواب . أَنْتَ مَوْلانا : ولينا ، وناصرنا ، ومتولّي أمورنا . فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ أي : الجاحدين ؛ الذين عبدوا غيرك ، وجحدوا وحدانيتك ، وكذّبوا برسالة نبيك صلّى اللّه عليه وسلّم . تنبيه : ورد في فضل سورة البقرة أحاديث ترغّب في قراءتها ، وتنوّه بشأنها ، وهناك أحاديث تخصّ آية الكرسي بمزيد من الفضل ، وأحاديث تنوّه بشأن هاتين الآيتين اللتين ختم اللّه بهما هذه السورة الكريمة ، أذكر منها ما رواه عبد اللّه بن عمر - رضي اللّه عنهما - ، قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم