الشيخ محمد علي طه الدرة

697

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 284 ] لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 284 ) الشرح : لِلَّهِ ما فِي . . . إلخ ؛ أي : كلّ ما فيهما ملك للّه تعالى خلقا ، وعبيدا ، وفي ما تغليب غير العاقل على العاقل ؛ لأنّهم أكثر ، وقال الجمل : في هذه الآية استدلال على قوله : وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ، فاستدلّ بسعة ملكه على سعة علمه . وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ : تظهروا ما في أنفسكم من السّوء ، والعزم عليه . أَوْ تُخْفُوهُ : تسرّوه في قلوبكم ، وضمائركم . هذا ؛ وما يخطر على البال ، وتتحدّث به النفس له مراتب خمسة : القصد ، والهاجس ، والخاطر ، وهمّ ، وعزم ، فنظمها بعضهم في قوله : [ البسيط ] مراتب القصد خمس هاجس ذكروا * وخاطر فحديث النّفس فاستمعا يليه همّ فعزم كلّها رفعت * سوى الأخير ، ففيه الأخذ قد وقعا في الآية الكريمة أقوال كثيرة ، أكتفي بقولين : الأوّل : أنها منسوخة بالآية التالية قاله كثير من الصحابة والتابعين ، وذلك : أنّه لمّا نزلت اشتد ذلك على الصّحابة ، فأتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم جثوا على الرّكب ، وقالوا : يا رسول اللّه ! كلّفنا من الأعمال ما نطيق : الصّلاة ، والصّيام ، والجهاد ، والصّدقة ، وقد أنزلت عليك هذه الآية ، ولا نطيقها ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أتريدون أن تقولوا ، كما قال أهل الكتابين من قبلكم : سمعنا ، وعصينا ؟ ! بل قولوا : سمعنا ، وأطعنا ، غفرانك ربّنا وإليك المصير » فلمّا أقرّ بها القوم ، وذلّت بها ألسنتهم ؛ أنزل اللّه في أثرها : آمَنَ الرَّسُولُ . . . إلخ ، فلمّا فعلوا ذلك نسخها اللّه ، فأنزل اللّه قوله : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها . القول الثاني : أنّها محكمة غير منسوخة ، واللّه يحاسب خلقه على ما عملوا من عمل ، وعلى ما لم يعملوه ممّا ثبت في نفوسهم ، وأضمروه ، ونووه ، وأرادوه ، فيغفر للمؤمنين ، ويأخذ به أهل الكفر ، والنّفاق ، ذكره الطّبريّ عن قوم ، فقد روي عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - : أنه قال : لم تنسخ ، ولكن إذا جمع اللّه الخلائق يقول : « إني أخبركم بما أكننتم في أنفسكم ، فأمّا المؤمنون ، فيخبرهم ، ثمّ يغفر لهم ، وأمّا أهل الشّكّ والرّيب ؛ فيخبرهم بما أخفوه من التكذيب ، فذلك قوله : يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ . . . إلخ ، وهو قوله عز وجل : وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ من الشكّ ، والنّفاق ، وقال الضحاك : يعلمه اللّه يوم القيامة بما كان يسرّه ؛ ليعلم : أنّه لم يخف عليه ، وفي الخبر : « إنّ اللّه تعالى يقول يوم القيامة : هذا يوم تبلى فيه