الشيخ محمد علي طه الدرة
698
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
السّرائر ، وتخرج الضمائر ، وأن كتّابي لم يكتبوا إلّا ما ظهر من أعمالكم ، وأنا المطّلع على ما لم يطّلعوا ، ولم يخبروه ، ولم يكتبوه ، فأنا أخبركم به ، وأحاسبكم عليه ، فأغفر لمن أشاء ، وأعذّب من أشاء ، فيغفر للمؤمنين ، ويعذب الكافرين » . وهذا أصحّ ما في الباب . انتهى قرطبي . وروى ابن جرير عن مجاهد ، والضحاك : أنه قال : هي محكمة ، لم تنسخ ، واختار ابن جرير ذلك ، واحتجّ على أنّه لا يلزم من المحاسبة المعاقبة ، وأنّه تعالى قد يحاسب ، ويغفر ، وقد يحاسب ، ويعاقب بالحديث الذي رواه قتادة عن صفوان بن محرز - رضي اللّه عنه - ، قال : بينما نحن نطوف بالبيت مع عبد اللّه بن عمر - رضي اللّه عنهما - ، وهو يطوف ؛ إذ عرض له رجل ، فقال : يا بن عمر ! ما سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول في النّجوى ؟ قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « يدنو المؤمن من ربّه عزّ وجلّ حتّى يضع عليه كنفه ، فيقرّره بذنوبه ، فيقول له : هل تعرف كذا ؟ فيقول : ربّ أعرف - مرّتين - حتّى إذا بلغ به ما شاء اللّه أن يبلغ . قال : فإنّي قد سترتها عليك في الدّنيا ، وإنّي أغفرها لك اليوم » قال : فيعطى صحيفة حسناته ، أو كتابه بيمينه ، وأمّا الكفار ، والمنافقون ، فينادى بهم على رؤوس الأشهاد : هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ رواه مسلم رحمه اللّه تعالى . هذا ؛ وبين تُبْدُوا و تُخْفُوهُ وبين ( يغفر ) و ( يُعَذِّبُ ) طباق ، وهو من المحسّنات البديعية . الإعراب : لِلَّهِ : متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم . ما : اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها . فِي السَّماواتِ : متعلقان بمحذوف صلة الموصول ، التقدير : الذي وجد ، أو سيوجد . وَما فِي الْأَرْضِ : معطوف على ما قبله ، وهو مثله في إعرابه ، وتقديره . وَإِنْ : الواو : حرف عطف ، أو حرف استئناف . ( إن ) : حرف شرط جازم . تُبْدُوا : فعل مضارع فعل الشرط مجزوم ، وعلامة جزمه حذف النون نيابة عن السّكون ؛ لأنه من الأفعال الخمسة ، والواو فاعله ، والألف للتّفريق ، والجملة الفعلية لا محلّ لها ؛ لأنها ابتدائية ، ويقال : لأنها جملة شرط غير ظرفي . ما : اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به . فِي أَنْفُسِكُمْ : متعلقان بمحذوف صلة الموصول ، التقدير : الذي يوجد في أنفسكم ، والكاف في محل جر بالإضافة . أَوْ : حرف عطف . تُخْفُوهُ : فعل مضارع معطوف على ما قبله مجزوم مثله . . . إلخ ، والهاء مفعول به . يُحاسِبْكُمْ : فعل مضارع جواب الشرط مجزوم ، والكاف مفعول به . بِهِ : جار ومجرور متعلقان بما قبلهما . اللَّهُ : فاعله ، والجملة الفعلية لا محلّ لها ؛ لأنّها جملة جواب الشرط ، ولم تقترن بالفاء ولا ب « إذا » الفجائية . فَيَغْفِرُ : يقرأ هذا الفعل بالجزم ، والنّصب ، والرفع ، فالجزم بالعطف على جواب الشرط ، والنصب على إضمار « أن » بعد الفاء على اعتبارها للسّببية ، وعليه ، فتؤوّل « أن » المضمرة مع الفعل بمصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيّد من الفاعل السّابق ، والرفع على الاستئناف ؛