الشيخ محمد علي طه الدرة
662
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
والفعل : حسب ، يحسب من باب : تعب في لغة جميع العرب ، إلا بني كنانة ، فإنهم يكسرون السين في المضارع ، ومع الماضي أيضا على غير قياس ، وقد قرئ المضارع بفتح السين وكسرها من البابين : الرابع ، والسادس ، والمصدر : الحسبان بكسر الحاء . وحسبت المال حسبا من باب قتل بمعنى : أحصيته عددا . تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ : السّيما بالقصر : العلامة ، وقد تمدّ ، فيقال : السيماء ، والسّمة أيضا : العلامة التي يعرف بها الشيء ، واختلفوا في معناها ، فقيل : هي الخضوع ، والتواضع . وقيل : هي أثر الجهد من الحاجة ، والفقر . وقيل : هي صفرة ألوانهم من الجوع ، ورثاثة ثيابهم من الضرّ ، وسوء الحال . لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً أي : لا يسألون الناس أبدا ، وقيل : إن سألوا لا يلحّون بالسؤال ، وإنما يسألون برفق وتلطف ، ولا يكلّفون الناس ما لا يحتاجون إليه ، فإن من سأل ، وله ما يغنيه عن المسألة ؛ فقد ألحف في المسألة ، والخطاب للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو لكلّ أحد ، وخذ ما يلي : فعن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قال : وقف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوما على أصحاب الصّفّة ، فرأى فقرهم ، وجهدهم ، وطيب قلوبهم ، فقال : « أبشروا يا أصحاب الصّفة ! فمن بقي من أمّتي على العنت الذي أنتم عليه ، راضيا بما فيه ، فإنّه من رفقائي في الجنّة » ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ اللّه يحبّ الحييّ الحليم المتعفّف ، ويبغض البذيء السّائل الملحف » . وعن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ليس المسكين الّذي تردّه اللّقمة واللّقمتان ، والتّمرة والتّمرتان ، ولكن المسكين الّذي لا يجد غنى يغنيه ، ولا يفطن له فيتصدّق عليه ، ولا يقوم فيسأل النّاس » رواه البخاريّ ومسلم ، وغيرهما ، وعنه أيضا : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ليس الغنى عن كثرة المال والعرض ، ولكن الغنى غنى النّفس » متفق عليه . وقال الإمام أحمد عن رجل من مزينة : أنه قالت له أمّه : ألا تنطلق ، فتسأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، كما يسأله النّاس ! قال : فانطلقت أسأله ، فوجدته قائما يخطب ، وهو يقول : « ومن استعفّ أعفّه اللّه ، ومن استغنى أغناه اللّه ، ومن يسأل النّاس ، وله عدل خمس أواق ؛ فقد سأل النّاس إلحافا » فقلت بيني وبين نفسي : لنا ناقة لهي خير من خمس أواق ، ولغلامي ناقة أخرى ، فهي خير من خمس أواق ، فرجعت ، ولم أسأل . وعن عبد اللّه بن مسعود - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من سأل ، وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشا ، أو خموشا ، أو كدوحا في وجهه » قالوا : يا رسول اللّه ! وما غناه ؟ قال : « خمسون درهما أو حسابها من الذّهب » ، أخرجه أبو داود ، والترمذي ، والنّسائي ، والإمام أحمد . فالرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم يريد من المسلم أن يكون عزيز النفس ، مرفوعها ، لذا نفّر من السّؤال ، والمسألة ، ورغّب في العمل ، فعن الزبير بن العوام - رضي اللّه عنه - ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :