الشيخ محمد علي طه الدرة

627

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

حمار ، وقيل : بل كانت حوتا ميتا بساحل البحر ، فرآها وقد توزّعها دواب البحر والبر ، فإذا مدّ البحر جاءت الحيتان ، فأكلت منها ، وإذا جزر البحر جاءت السّباع ، فأكلت منها ، فإذا ذهبت السّباع جاءت الطّير ، فأكلت منها ، فلما رأى إبراهيم عليه السّلام ذلك تعجّب منها ، وقال : يا ربّ إني قد علمت : أنّك تجمعها من بطون السّباع ، وحواصل الطّير ، وأجواف الدّواب ، فأرني كيف تحييها ؛ لأعاين ذلك ، فأزداد يقينا ! فعاتبه ربه بقوله : أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ أي : توقن ، وتصدّق بقدرتي . قالَ بَلى أي : يا ربّ قد علمت ، وصدّقت ، وآمنت . هذا ؛ و بَلى حرف جواب ك « نعم » و « جير » و « أجل » و « جلل » و « إي » إلا أنّ « بلى » جواب لنفي متقدّم وإبطال ونقض وإيجاب له ، سواء دخله الاستفهام أم لا ، فتكون إيجابا له ، نحو قول القائل : ما قام زيد ؟ فتقول : بلى قد قام ، وقوله : أليس زيد قائما ؟ فتقول : بلى ، أي : هو قائم ، قال تعالى في سورة الأعراف رقم [ 172 ] : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : لو قالوا : نعم ؛ لكفروا . وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أي : سألتك ليسكن قلبي ، ويستقرّ عند المعاينة ، والمشاهدة ، ولهذا قال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « ليس الخبر كالمعاينة » رواه ابن عباس ، - رضي اللّه عنهما - . وعن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « نحن أحقّ بالشّكّ من إبراهيم ، إذ قال : أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ويرحم اللّه لوطا ، لقد كان يأوي إلى ركن شديد ، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الدّاعي » . رواه البخاريّ ، ومسلم . فمعناه : لو كان شاكا لكنّا أحقّ بالشكّ منه ، ونحن لا نشكّ ، فإبراهيم عليه السّلام أحرى ألا يشك . والسؤال كان عن حالة الإحياء ؛ لأنّ السؤال ب « كيف » إنّما يكون عن حالة شيء موجود متقرّر الوجود عند السّائل ، والمسؤول ، فأراد إبراهيم عليه السّلام بهذا السؤال أن يترقّى من علم اليقين إلى عين اليقين ، والهمزة في قوله تعالى : أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ ليست للاستفهام ، وإنّما هي ألف إيجاب ، وتقرير ، مثل قوله تعالى : أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ، أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى وقال جرير في مدح بني أميّة ، وهو الشاهد رقم [ 11 ] من كتابنا : « فتح القريب المجيب » : [ الوافر ] ألستم خير من ركب المطايا * وأندى العالمين بطون راح ؟ قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ : يقرأ بكسر الصّاد ، ومعناه : قطّعهنّ ، ومزّقهنّ ، وقرئ بضمّها ، ومعناه : أملهنّ ، واضممهنّ . وقد قرئ بضم الصّاد وتشديد الرّاء مضمومة ، ومفتوحة ، والمعنى : اجمعهن إليك لتتأمّلهنّ ، وتعرف صفاتهنّ ، لئلا يلتبس عليك أمرهنّ بعد الإحياء ، فأخذ طاووسا ، وديكا ، وغرابا ، وحمامة - ومنهم من ذكر النّسر بدل الحمامة - فذبحهنّ ، وقطّعهنّ ، وخلط لحمهنّ ، وجعلهنّ على أربعة جبال ، وقيل : سبعة ، وأمسك رؤوسهنّ بيده ، وقال لهنّ : تعالين بإذن اللّه ، فجعل كلّ جزء يطير إلى الآخر ، حتّى صارت جثثا ، ثم أقبلن نحوه ، فانضممن إلى رؤوسهن ، وإبراهيم عليه السّلام ينظر إليهنّ .