الشيخ محمد علي طه الدرة
621
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ : قبض روحه ، وتركه جثّة هامدة لا حراك فيها ، والعام : السنة ، والحول ، وجمعه : أعوام . ثُمَّ بَعَثَهُ : أحياه بردّ روحه إليه . ويحكى في قصص هذه الآية : أنّ اللّه تعالى بعث لها ملكا من الملوك يعمرها ، ويجدّ في ذلك حتّى كان كمال عمارتها بعث القائل ، وعمرت البلدة بعد مضي سبعين سنة من موته ، ورجع بنو إسرائيل إليها ، فلمّا أحياه اللّه ، فكان أوّل شيء أحياه فيه عيناه لينظر بها إلى صنع اللّه ، كيف يحيي اللّه بدنه ، فلمّا استوى قائما سويّا ، قال اللّه له بواسطة الملك : كَمْ لَبِثْتَ : كم نمت ، ومكثت في هذه الحال ؟ قال : لبثت يوما أو بعض يوم ؛ وذلك أنّه مات أوّل النهار ، ثم بعثه في آخر النّهار . فلما رأى الشمس عصرا ظنّ : أنها شمس ذلك اليوم ، ومثله ما ذكر اللّه في شأن أهل الكهف : قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ . قالَ : أي الملك لعزيز . بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ أي : مكثت ميتا مئة عام كاملة . فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ أي : إن شككت في ذلك ؛ فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتغيّر بمرور الزمن ، وكان معه عنب ، وتين ، وعصير ، فوجدها على حالها لم تفسد ، والهاء في يَتَسَنَّهْ أصلية ، أو هاء السكت ، واشتقاقه من السّنه على الوجهين ؛ لأنّ لامها هاء ؛ لأن الأصل سنهة ، والفعل سانهت ، يقال : سانهت فلانا ، أي : عاملته سنة ، أو واو لأن الأصل سنوة ، والفعل سانيت . قال النّحاس : أصح ما قيل فيه : أنه من السّنة ، أي لم تغيره السّنون ، ويحتمل أن يكون من السّنة ، وهي الجدب ، ومنه قوله تعالى : وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وانظر الإعراب . هذا ؛ ولم يثّن فاعله مع كونه عائدا على الطعام والشراب ؛ لأحد أمرين : إما لكونهما متلازمين ، فصارت كالشئ الواحد ، وهو الغذاء ، وإما لأنّ الضمير يعود إلى الشراب فقط ، وثمّ جملة أخرى مقدرة حذفت لدلالة هذه عليها ، والتقدير : انظر إلى طعامك لم يتسنه ، وإلى شرابك لم يتسنه . انتهى . وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ أي : دليلا على البعث ، والحشر ، والنشور بعد الموت . وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها : نحييها ، أو نرفع بعضها فوق بعض ، ونركبه عليه ، والنشز : المرتفع من الأرض ، والارتفاع ، ومنه المرأة النشوز ، والناشز : وهي المرتفعة عن موافقة زوجها ، قال تعالى : وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ ومنه قوله تعالى في سورة ( المجادلة ) : وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا ، وقال الشاعر : [ الطويل ] ترى الثّعلب الحوليّ فيها كأنّه * إذا ما علا نشزا حصان مجلّل ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً : الكسوة ما وارى الجسد من الثياب ، واستعيرت هنا لما أنشئ من اللحم الذي غطى العظم ، وهي استعارة جيدة ، وحسنة . فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ : لمّا اتضح له عيانا ما كان مستنكرا في قدرة اللّه عنده قبل عيانه ، قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ . . . إلخ : قال : أيقنت وعلمت علم مشاهدة أنّ اللّه قادر ، ومقتدر لا يعجزه شيء .