الشيخ محمد علي طه الدرة

617

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

إحداهما : أنّهم خرجوا إلى عيد لهم ، فتخلف إبراهيم ودخل على أصنامهم ، فكسرها ، فلما رجعوا ، وتساءلوا من كسرها ؟ قال لهم : أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ ؟ ! فقالوا : فمن تعبد ؟ قال : أعبد ربّي الذي يحي ويميت . والثانية : أن نمرود كان يحتكر الطّعام ، فكان إذا أتى أحد يمتار سأله : من ربّك ؟ فيقول : أنت ، فيميره ، فخرج إبراهيم عليه السّلام إليه ليميره الطّعام لأهله ، فقال له : من ربك ؟ قال : ربي الّذي يحيي ، ويميت . . . إلخ ، فردّه بغير طعام ، فرجع إبراهيم إلى أهله ، فمرّ على كثيب رمل أعفر ، فملأ غرارتين منه تطييبا لقلوب أهله إذا دخل عليهم ، فلمّا أتى أهله ؛ وضع متاعه ، فنام ، فقامت زوجته سارة عليهاالسّلام إلى رحله ، ففتحته ، فإذا هو طعام أجود ما رآه أحد ، فصنعت منه خبزا ، فلما استيقظ قرّبته إليه ، فقال لها عليه السّلام : من أين هذا ؟ قالت : من الطعام الذي جئت به ، فعلم : أن اللّه قد رزقه ذلك بقلب الرّمل قمحا ، فحمد اللّه تعالى . أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ أي : طغى ، وتجبّر ؛ لأنّ اللّه آتاه الملك ، وكان الأحرى به أن يشكر اللّه ، ويعبده ، قال مجاهد - رحمه اللّه تعالى - : ملك الأرض أربعة : مؤمنان ، وكافران ؛ فأمّا المؤمنان ؛ فسليمان بن داود وإسكندر ذو القرنين ، وأما الكافران ؛ فنمرود ، وبختنصر . وقيل : كلاهما ولد زنى ، وجدا لقيطين عند الأصنام ، فبختنصر حقيقة لقيط ، فاسمه مركب من : بخ : بمعنى ابن بالفارسية ، وتنصّر : اسم الصّنم ، فمعناه : ابن الصنم . إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ : هذا الكلام كان جوابا للنمرود اللّعين لمّا قال له : من تعبد ؟ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ أي : بالقتل ، والعفو ، فدعا برجلين ، فقتل أحدهما ، وترك الآخر . قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ : هذا من إبراهيم عليه الصلاة والسّلام انتقال إلى حجة أوضح ، فإنّه لمّا رآه غبيّا أحمق ؛ قال له هذا الكلام ، والمعنى : إذا كنت كما تدّعي من أنك تحيي ، وتميت ، فالّذي يحيي ، ويميت هو الّذي يتصرف بالوجود ، في خلق ذراته ، وتسخير كواكبه ، وحركاته ، فهذه الشمس تبدو كلّ يوم من المشرق ، فإن كنت إلها كما ادعيت تحيي وتميت ، فائت بها من المغرب ؟ . فَبُهِتَ : أفحم ، وأخرس ، وتحيّر ، ودهش ، وهذا الفعل من الأفعال التي جاءت على صورة المبني للمجهول ، والمعنى فيها للمعلوم . هذا ؛ ويقال : بهت الرّجل ، وبهت ، وبهت ، إذا انقطع ، وسكت متحيّرا ، وورد في الخبر : « أنّ اللّه تعالى قال : وعزّتي ، وجلالي ! لا تقوم الساعة حتى آتي بالشمس من المغرب ليعلم أنّي القادر على ذلك » . هذا وبين يُحْيِي و ( يُمِيتُ ) وبين الْمَشْرِقِ و الْمَغْرِبِ طباق ، وهو من المحسّنات البديعيّة . هذا ؛ و الْمَشْرِقِ : موضع شروق الشمس ، و الْمَغْرِبِ : موضع غروبها ، وفي سورة ( الرحمن ) : رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ أي : مشرقي الشّتاء ، والصيف ، ومغربيهما ، وفي سورة