الشيخ محمد علي طه الدرة
614
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 257 ] اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 257 ) الشرح : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا : أي : متولّي أمورهم ، وناصرهم على أعدائهم . هذا ؛ ويكثر قوله تعالى : ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ فالولي : من يتولّى شؤون غيره ، والنّصير : المعين والمساعد ، والفرق بينهما أنّ الولي قد يضعف عن النّصرة ، والمعاونة ، والنّصير قد يكون أجنبيّا من المنصور ، فبينهما عموم ، وخصوص من وجه . هذا ؛ والولي للّه : العارف باللّه تعالى على حسب ما يمكن المواظبة على الطّاعات ، المعرض على الانهماك في اللّذات والشّهوات . وفيه وجهان : أحدهما : أنّه فعيل بمعنى مفعول ، كقتيل بمعنى مقتول ، وجريح بمعنى مجروح ، فعلى هذا هو من يتولّى اللّه حفظه ، ورعايته ، فلا يكله إلى غيره ، ونفسه طرفة عين ، كما قال تعالى : وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ، والوجه الثاني : أنّه فعيل مبالغة من فاعل ، كرحيم ، وعليم ، بمعنى : راحم ، وعالم ، فعلى هذا هو من يتولّى عبادة اللّه تعالى ، من غير أن يتخلّلها عصيان ، أو فتور ، وكلا المعنيين شرط في الولاية ، فمن شرط الولي أن يكون محفوظا ، كما أنّه من شرط النّبيّ أن يكون معصوما ، فكلّ من كان للشرع عليه اعتراض ؛ فليس بوليّ ، بل هو مغرور مخادع ، ذكره الإمام أبو القاسم القشيري ، وغيره من أئمة الطّريقة ، رحمهم اللّه تعالى من شرح ألفاظ الزبد للشّيخ أحمد بن حجازي الفشني ، رحمه اللّه تعالى ، وربنا يقول في الحديث القدسيّ : « من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب » انظر الآية رقم [ 279 ] الآتية . يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ : الظلمات : جمع ظلمة ، وهي الكفر ، والجهل ، والظلم ، ونحو ذلك ، وإنّما جمعها لتعدّد فنون الضّلال ، والمعاصي . النُّورِ : الهدى ، والإيمان ، وإنّما لم يجمع ؛ لأن الإيمان واحد لا يتعدّد بخلاف الضّلال ، قال تعالى في سورة ( الأنعام ) رقم [ 153 ] : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ . وقال الشاعر الحكيم : [ البسيط ] الطّرق شتّى وطرق الحقّ مفردة * والسّالكون طريق الحقّ أفراد لا يعرفون ولا تدرى مقاصدهم * فهم على مهل يمشون قصّاد والنّاس في غفلة عمّا يراد بهم * فجلّهم عن سبيل الحقّ رقّاد وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ المراد به الجمع ، ولذا قرئ : ( الطّواغيت ) ، وفسر بكعب بن الأشرف ، وحيي بن أخطب ، وسائر رؤوس الضّلالة في كلّ زمان ، ومكان .