الشيخ محمد علي طه الدرة
609
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
أي : علماء بحوادث الأمور . القول الرابع : المراد بالكرسيّ : الملك ، والسّلطان ، والقدرة ؛ لأنّ الكرسيّ موضع السلطان ، والملك ، فلا يبعد أن يكنى عن الملك بالكرسيّ على سبيل المجاز . انتهى . خازن . هذا وقد قال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما السّموات السّبع في الكرسيّ إلّا كدراهم سبعة ألقيت في ترس » ، وروى أبو إدريس الخولاني عن أبي ذرّ - رضي اللّه عنه - ، قال : قلت : يا رسول اللّه ! أيّ ما أنزل اللّه عليك أعظم ؟ قال : « آية الكرسي » . ثمّ قال : « يا أبا ذرّ ما السّموات السبع مع الكرسيّ إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة ، وفضل العرش على الكرسيّ كفضل الفلاة على الحلقة » . أخرجه البيهقيّ ، وغيره ، وذكر : أنّه صحيح ، وهذا من الأمور المغيّبة ، التي يجب على المسلم الإيمان بها ، والتّسليم بحقائقها ، ولا مجال للعقل فيها ، والسّوال عن ذلك ب « كيف » ونحوها يحدث بلبلة في عقله ، واضطرابا في إيمانه . وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما : ولا يثقل عليه ، ولا يصعب حفظهما ، وَهُوَ الْعَلِيُّ : المتعالي عن الصفات التي لا تليق به . الْعَظِيمُ : بمعنى عظيم القدر ، والخطر ، والشرف ، وقيل : هو بمعنى المعظم ، وأنكره بعضهم ، فقالوا : لو كان بمعنى معظم ؛ لوجب أن لا يكون عظيما قبل أن يخلق الخلق ، وبعد فنائهم ؛ إذ لا معظّم له حينئذ . قال الزّمخشري في كشافه : فإن قلت : لم فضّلت هذه الآية ؛ حتى ورد فيها ما ورد ، منه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما قرئت هذه الآية في دار إلا هجرتها الشياطين ثلاثين يوما ، ولا يدخلها ساحر ، ولا ساحرة أربعين ليلة ، يا عليّ علّمها ولدك ، وأهلك ، وجيرانك ، فما نزلت آية أعظم منها » . وعن عليّ - رضي اللّه عنه - : سمعت نبيّكم صلّى اللّه عليه وسلّم على أعواد هذا المنبر ، وهو يقول : « من قرأ آية الكرسيّ في دبر كلّ صلاة مكتوبة ، لم يمنعه من دخول الجنّة إلا الموت ، ولا يواظب عليها إلّا صدّيق ، أو عابد ، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه ، أمّنه اللّه على نفسه ، وجاره ، وجار جاره ، والأبيات حوله » . وتذاكر الصّحابة - رضوان اللّه عليهم - أفضل ما في القرآن ، فقال لهم عليّ كرّم اللّه وجهه : أين أنتم من آية الكرسيّ ؟ ! ثم قال : قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا عليّ ! سيّد البشر آدم ، وسيد العرب محمّد ، ولا فخر ، وسيد الفرس سلمان ، وسيّد الرّوم صهيب ، وسيّد الحبشة بلال ، وسيّد الجبال الطّور ، وسيّد الأيام الجمعة ، وسيّد الكلام القرآن ، وسيّد القرآن البقرة ، وسيد البقرة آية الكرسيّ » . قلت : كما فضلت سورة الإخلاص من اشتمالها على توحيد اللّه تعالى ، وتعظيمه ؛ وتمجيده ، وصفاته العظمى ، ولا مذكور أعظم من ربّ العزة ، فما كان ذكرا له ، كان أفضل من سائر الأذكار ، وبهذا يعلم : أن شرف العلوم ، وأعلاها عند اللّه منزلة علم أهل العدل ، والتوحيد ، ولا يغرنّك عنه كثرة أعدائه ، قال الشاعر : [ البسيط ]