الشيخ محمد علي طه الدرة
594
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
الثاني : وهو معزيّ لابن عباس - رضي اللّه عنهما - ، وهو أنّ اللّه تعالى يدفع المشركين بجنود المسلمين . ولولا وجود مسلمين مجاهدين ؛ لغلب المشركون على الأرض ، فقتلوا المؤمنين ، وخرّبوا المساجد والبلاد ، وأهلكوا العباد ، ونشروا في الأرض الفساد ، وهذا أيضا كثير ومشاهد في زمننا هذا وفي الأزمان الغابرة ، وهو كقوله تعالى في سورة ( الحج ) : وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً . الثالث : وهو خاصّ ، وهو معنويّ غير مشاهد ، ولا محسوس ، وهو : أنّ اللّه يدفع بالمؤمنين ، والأبرار البلاء عن الفسّاق ، والفجّار . ومعنى لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ : لهلك من فيها بنزول البلاء عاجلا . روى الإمام أحمد بن حنبل - رحمه اللّه تعالى - عن عبد اللّه بن عمر - رضي اللّه عنهما - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ اللّه ليدفع بالمسلم الصّالح عن مئة أهل بيت من جيرانه البلاء » ، ثمّ قرأ الآية الكريمة التي نحن بصدد شرحها ، وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنّ للّه ملائكة تنادي كلّ يوم : لولا عباد ركّع ، وأطفال رضّع ، وبهائم رتّع ؛ لصبّ عليكم العذاب صبّا » أخذ بعضهم المعنى ، فقال : [ الرجز ] لولا عباد للإله ركّع * وصبية من اليتامى رضّع ومهملات في الفلاة رتّع * صبّ عليكم العذاب الأوجع هذا ، وقال القرطبيّ - رحمه اللّه تعالى - : واختلف العلماء في الناس المدفوع بهم الفساد من هم ؟ فقيل : هم الأبدال ، وهم أربعون رجلا كلّما مات واحد بدّل اللّه آخر ، فإذا كان عند القيامة ماتوا كلهم ، اثنان وعشرون منهم بالشام وثمانية عشر بالعراق ، وروي عن عليّ - رضي اللّه عنه - قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إنّ الأبدال يكونون بالشّام ، وهم أربعون رجلا ، كلّما مات منهم رجل ، أبدل اللّه مكانه رجلا ، يسقى بهم الغيث ، وينصر بهم على الأعداء ، ويصرف بهم عن أهل الأرض البلاء » . ذكره التّرمذي الحكيم في نوادر الأصول . وخرج أيضا عن أبي الدرداء - رضي اللّه عنه - ، قال : إنّ الأنبياء كانوا أوتادا للأرض ، فلمّا انقطعت النّبوّة ؛ أبدل اللّه مكانهم قوما من أمّة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، يقال لهم : الأبدال ، لم يفضلوا الناس بكثرة صوم ، ولا صلاة ، ولكن بحسن الخلق ، وصدق الورع ، وحسن النّيّة ، وسلامة القلوب لجميع المسلمين ، والنّصيحة لهم ، ابتغاء مرضاة اللّه ، بصبر ، وحلم ، ولبّ ، وتواضع في غير مذلّة ، فهم خلفاء الأنبياء ، قوم اصطفاهم اللّه لنفسه ، واستخلصهم بعلمه لنفسه ، وهم أربعون صدّيقا ، منهم ثلاثون رجلا على مثل يقين إبراهيم ، خليل الرّحمن ، يدفع اللّه بهم المكاره عن أهل الأرض ، والبلايا عن النّاس ، وبهم يمطرون . وبهم يرزقون ، ولا يموت الرجل منهم حتّى يكون قد أنشأ من يخلفه . انتهى . واللّه أعلم بمراده ، وأسرار كتابه .