الشيخ محمد علي طه الدرة
538
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
الكنايات عند الشّافعي ، ومن الطلاق عند أبي حنيفة ، كما هو مشهور في مذهبه . هذا ؛ واختلف في لفظ الثلاث : قال القرطبيّ - رحمه اللّه تعالى - : واتفق أئمّة الفتوى على لزوم إيقاع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة ، وهو قول جمهور السّلف ، وشذّ طاووس ، وبعض أهل الظاهر إلى أن طلاق الثلاث بكلمة واحدة يقع واحدة ، وقال بعضهم : لا يلزم منه شيء ، وهو قول مقاتل بن سليمان ، ويحكى عن داود : أنه قال : لا يقع . وروى كثيرون عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - فيمن طلّق امرأته ثلاثا : أنه قد عصى ربه ، وبانت منه امرأته ، ولا ينكحها إلا بعد زوج . وفي ذلك ما يدلّ على وهن رواية طاووس ، وغيره ، وما كان لابن عباس أن يخالف الصّحابة إلى رأي نفسه . وروي عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : أنّه قال : كان الطلاق على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأبي بكر ، وسنتين من خلافة عمر بن الخطاب طلاق الثلاث واحدة ، فقال عمر - رضي اللّه عنه - : إنّ الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة ، فلو أمضيناه عليهم ! فأمضاه عليهم . هذا ؛ والطلاق على ضربين : سنّيّ : وهو أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه ، وبدعي : وهو أن يطلقها في الحيض ، أو في طهر جامعها فيه ، وعدّ منه الطلاق بلفظ الثلاث . هذا ؛ ومعنى ما تقدم : الطّلاق المشروع ؛ الذي يملك به الزوج الرّجعة مرتان ، وليس بعدها إلا المعاشرة بالمعروف مع حسن المعاملة ، أو التسريح ؛ أي : التطليق بإحسان بألا يظلمها من حقّها شيئا ، ولا يذكرها بسوء ، ولا ينفّر الناس عنها . وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً أي : ولا يحلّ لكم أن تضاجروهن ، وتضيقوا عليهن ؛ ليفتدين منكم بما أعطيتموهنّ من المهور ، أو بعضها ، كما قال تعالى : وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ رقم [ 19 ] من سورة ( النساء ) ، وانظر الآية رقم [ 231 ] الآتية . إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ المعنى : إلا أن يظنّ كلّ واحد من الزّوجين بنفسه : أنه لا يقيم حقّ النكاح لصاحبه حسب ما يجب عليه فيه لكراهة يعتقدها ، فلا حرج على المرأة أن تفتدي ، ولا حرج على الزوج أن يأخذ . واختلف هل يكتفي الزوج أن تردّ عليه ما أعطاها ؟ ، فمذهب الشافعي يجوز أن يأخذ منها أكثر ممّا أعطاها . والخوف هنا بمعنى العلم ، أي : أن يعلما ألا يقيما حدود اللّه . فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ أي : فإن خفتم سوء العشرة بينهما ، وأرادت الزوجة أن تختلع بالنزول عن مهرها ، أو بدفع شيء من المال لزوجها ؛ حتّى يطلقها ، فلا إثم ، ولا مؤاخذة عليهما . والخطاب للولاة ، وللأولياء . هذا ؛ وأصل خِفْتُمْ : ( خوفتم ) فحذفت الواو لثقل الكسرة عليها ، فصار الفعل : ( خِفْتُمْ ) ثم قلبت الفتحة كسرة لخفتها ، وهي دالة على حركة المحذوف ، ولو كانت دالة على المحذوف ؛ لكانت ضمّة .