الشيخ محمد علي طه الدرة
539
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
تنبيه : أول خلع حصل في الإسلام كان بما يلي : روى عكرمة عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قال : أوّل من خالع في الإسلام أخت عبد اللّه بن أبي ابن سلول ، أتت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقالت : يا رسول اللّه ! لا يجتمع رأسي ورأسه أبدا ، إنّي رفعت جانب الخباء ، فرأيته أقبل في عدّة ، إذا هو أشدّهم سوادا ، وأقصرهم قامة ، وأقبحهم وجها ، فقال : أتردّين عليه حديقته ؟ قالت : نعم ، وإن شاء زدته . ففرّق بينهما ، رواه ابن ماجة ، ورواه البخاريّ بتغيير ببعض ألفاظه . كما اختلف في المرأة فقيل : اسمها : جميلة ، وقيل : اسمها : حبيبة ، وقيل : هي أخت عبد اللّه المنافق . وقيل : هي بنته ، والمعتمد : أنّها أخته ، وقيل : هي حبيبة بنت سهل الأنصاري ، والزوج هو ثابت بن قيس ابن شمّاس رضي اللّه عنه ، وكان في أذنيه صمم . بعد هذا : فإن كان الزوج مضارّا للزّوجة ، وحملها على الافتداء ؛ فحرام عليه رائحة الجنّة ، ولها العذر بتخليصها نفسها من ظلمه ، وأمّا إذا لم يكن لها عذر ، وسألت الافتداء منه ؛ فقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أيّما امرأة سألت زوجها طلاقها في غير ما بأس ؛ فحرام عليها رائحة الجنّة » ، رواه الإمام أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجة . وهذه الصحابية قد بينت العذر في بغضها لثابت ، وهذا عذر مقبول ، مع كون ثابت من كرام الصّحابة . انظر ما ذكرته بشأنه في سورة ( الحجرات ) رقم [ 2 ] فإنّه جيد والحمد للّه ، ولا تنس أن ما يعجب الرجل من امرأته ، يعجبها منه مثله . تنبيه : يصحّ الخلع في الحيض ، والطّهر ؛ لأنه لا يوصف بسنّيّ ، ولا بدعيّ ، وتملك المرأة به نفسها ، فلا رجعة للزّوج عليها إلا بعقد جديد ، ومهر ، ووليّ ، وشاهدين . وهل ينقص الخلع عدد الطّلاق ؟ فخذه بما يلي : فعن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : أن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص - رضي اللّه عنهما - سأله ، فقال : طلّق رجل امرأته تطليقتين ، ثم اختلعت منه ، أيتزوّجها ؟ قال : نعم ، ليس الخلع بطلاق . ذكر الطلاق في أوّل الآية وآخرها ، والخلع فيما بين ذلك ، فليس الخلع بشيء ، ثم قرأ : الطَّلاقُ مَرَّتانِ . . . إلخ . وهذا الذي ذهب إليه ابن عباس رواية عن عثمان ، وابن عمر ، وبه يقول الإمام أحمد ، وهو مذهب الشّافعي في القديم . والقول الثاني في الخلع : إنّه طلاق بائن ، وإليه ذهب مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعي في الجديد . وللشّافعي قول آخر في الخلع ، وهو : أنّه إذا لم يكن بلفظ الطلاق ، وعري عن البيّنة ؛ فليس بشيء بالكلّية ، والمفتى به القول الأوّل . ويؤيّده حديث الرّبيّع بنت معوّذ - رضي اللّه عنها - : أنها اختلعت على عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأمرها صلّى اللّه عليه وسلّم أن تعتدّ بحيضة ، فهذا يدل على أن الخلع فسخ لا طلاق ، وذلك : أنّ اللّه تعالى قال : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ولو كانت هذه مطلقة لم يقتصر بها على قرء واحد . وروى الترمذيّ ، وأبو داود ، والدّارقطنيّ عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أمر