الشيخ محمد علي طه الدرة
529
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
كلّ فيما ذهب إليه ، ومذهب الشّافعي هو قول عائشة ، والشعبي ، وعكرمة ، ومذهب مالك ، وأبي حنيفة هو قول ابن عبّاس ، والحسن ، ومجاهد ، والنخعي ، وغيرهم . وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ أي : لكن يؤاخذكم بما عزمتم عليه ، وقصدتم له ، كما قال تعالى في آية ( المائدة ) : وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ . وكسب القلب هو العقد ، والعزم ، والنية . و وَاللَّهُ غَفُورٌ لعباده فيما هو لغو من أيمانهم ، والتي أخبر أنه لا يؤاخذهم عليها ، ولو شاء لآخذهم ، وألزمهم الكفارة في العاجل ، والعقوبة عليها في الآجل . حَلِيمٌ في ترك معاجلة أهل العصيان بالعقوبة . قال الحليمي - رحمه اللّه تعالى - في معنى : الحليم : إنّه الّذي لا يحبس إنعامه ، وإفضاله عن عباده لأجل ذنوبهم ، ولكنّه يرزق العاصي ، كما يرزق المطيع ، ويقيه ؛ وهو منهمك في معاصيه ، كما يقي البرّ المتّقي ، وقد يقيه الآفات ، والبلايا ، وهو غافل لا يذكره فضلا عن أن يدعوه ، كما يقيها الناسك الذي يدعوه ، ويسأله . وقال أبو سليمان الخطّابي : الحليم : ذو الصفح ، والأناة الذي لا يستفزّه غضب ، ولا يستخفّه جهل جاهل ، ولا عصيان عاص ، ولا يستحقّ الصّافح من العجز اسم الحليم ، إنما الحليم الصفوح مع القدرة على الانتقام ، المتأنّي ؛ الذي لا يعجّل بالعقوبة . تنبيه : لا يجوز الحلف إلا باسم من أسماء اللّه الحسنى ، أو بصفة من صفاته تعالى ؛ مثل قولك : وقدرة اللّه ، وعزة اللّه . . . إلخ . أما كفارة اليمين ؛ فقد ذكرت في آية المائدة مخيرة ابتداء مرتبة انتهاء ، وقد أنكرت على من يفتي بإعطاء عشرة مساكين خمسة كيلوات من القمح كفارة اليمين ، وأما اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في النار ، فهي التي يقتطع بها مال امرئ مسلم بغير حقّ . وخذ ما يلي : عن أبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارثي - رضي اللّه عنه - : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : قال : « من اقتطع حقّ امرئ مسلم بيمينه ؛ فقد أوجب اللّه له النّار ، وحرّم عليه الجنّة » . قالوا : يا رسول اللّه ! وإن كان شيئا يسيرا ؟ فقال : « وإن كان قضيبا من أراك » . رواه مسلم والنّسائيّ وابن ماجة . وعن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ليس شيء ممّا عصي اللّه به هو أعجل عقابا من البغي ، وما من شيء أطيع اللّه فيه أسرع ثوابا من الصّلة ، واليمين الفاجرة تدع الدّيار بلاقع » . رواه البيهقيّ . ولا تنس : أنّ حقّ الكافر أعظم جرما من حقّ المسلم . الإعراب : لا : نافية . يُؤاخِذُكُمُ : فعل مضارع ، والكاف مفعول به . اللَّهُ : فاعله ، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها . بِاللَّغْوِ : متعلقان بالفعل قبلهما . فِي أَيْمانِكُمْ متعلقان ب : ( اللغو ) ؛ لأنه مصدر ، كما يجوز تعليقهما بمحذوف حال من ( اللغو ) على اعتبار ( أل ) فيه للتعريف ، أي : اللغو كائنا في أيمانكم ، وبمحذوف صفة له على اعتبار ( أل ) فيه للجنس ، التّقدير : اللغو الكائن في أيمانكم . والكاف ضمير متصل في محلّ جرّ بالإضافة .