الشيخ محمد علي طه الدرة
527
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
أَنْ تَبَرُّوا أي : في أن تفعلوا الخير ، والمعروف ، والإحسان . وَتَتَّقُوا : اللّه . وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ : والمعنى : لا تمنعنّكم الأيمان باللّه عزّ وجل من فعل الخير ، وتقوى اللّه ، والإصلاح بين الناس ؛ إذا كانوا متنازعين متخاصمين . وَاللَّهُ سَمِيعٌ لأقوالكم ، وأيمانكم . عَلِيمٌ بنيّاتكم ، وأحوالكم ، وأفعالكم ، فهما صيغتا مبالغة . هذا ؛ والإصلاح بين النّاس مقامه عظيم ، وأجره كبير ، وخذ ما يلي : فعن أبي الدرداء - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ألا أخبركم بأفضل من درجة الصّيام ، والصّلاة ، والصّدقة ؟ » قالوا : بلى ! قال : « إصلاح ذات البين ، فإنّ فساد ذات البين هي الحالقة » . رواه أبو داود ، والتّرمذيّ ، وقال الترمذي أيضا : ويروى عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : أنه قال : « هي الحالقة ، لا أقول : تحلق الشّعر ، ولكن تحلق الدّين » . هذا ؛ وقد أباح الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم الكذب لإصلاح ذات البين ، كما إذا غيّر الكلام القبيح من أحد المتخاصمين بكلام حسن . وخذ ما يلي : فعن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط - رضي اللّه عنها - : أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لم يكذب من نمى بين اثنين ليصلح » . وفي رواية أخرى : « ليس بالكاذب من أصلح بين النّاس ، فقال خيرا ، أو نمى خيرا » . رواه أبو داود . تنبيه : نزلت الآية الكريمة في أبي بكر الصديق - رضي اللّه عنه - حين حلف : أنّه لا ينفق على مسطح ابن خالته لافترائه على عائشة ، رضي اللّه عنها . والقصّة مذكورة بكاملها في سورة ( النّور ) وقيل : نزلت في عبد اللّه بن رواحة - رضي اللّه عنه - حين حلف : أنّه لا يكلّم ختنه - أي : صهره - بشير بن النعمان ، ولا يصلح بينه ، وبين أخته عمرة ، وهي زوجة بشير - رضي اللّه عنهم - أجمعين . والمعنى : لا تمتنعوا من فعل الخير ؛ إذا حلفتم عليه ، بل ائتوه ، وكفروا ، كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم لعبد الرحمن بن سمرة : « إذا حلفت على يمين ، فرأيت غيرها خيرا منها ؛ فائت الّذي هو خير ، وكفّر عن يمينك » . رواه البخاريّ ، ومسلم . وعن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من حلف على يمين ، فرأى غيرها خيرا منها ؛ فليكفّر عن يمينه ، وليفعل الّذي هو خير » . رواه مسلم ، وعن أبي موسى الأشعري - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّي واللّه إن شاء اللّه ، لا أحلف على يمين ، فأرى غيرها خيرا منها ؛ إلّا أتيت الّذي هو خير ، وتحلّلتها » . رواه البخاريّ ، ومسلم . وقيل : معنى الآية الكريمة : لا تكثروا الحلف باللّه ؛ وإن كنتم بارّين متّقين مصلحين ، فإن كثرة الحلف باللّه ضرب من الجراءة على اللّه ، وقد نهى اللّه عن كثرة الحلف ، كما نهى عن تصديق من يكثر الحلف . فقال تعالى في سورة ( القلم ) : وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ . واللّه أعلم بمراده ، وأسرار كتابه . الإعراب : وَلا : الواو : حرف استئناف ، ( لا ) : ناهية جازمة . تَجْعَلُوا : فعل مضارع مجزوم ب ( لا ) وعلامة جزمه حذف النّون ؛ لأنّه من الأفعال الخمسة ، والواو فاعله ، والألف