الشيخ محمد علي طه الدرة

512

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

مباح بشروط ، ذكرها الشّافعي ، فقال : إذا خلا الشطرنج عن الرّهان ، واللّسان عن الهذيان ، والصلاة عن النسيان ؛ لم يكن حراما ، وهو خارج عن الميسر ؛ لأنّ الميسر ما يوجب دفع مال ، وأخذ مال ، وهذا ليس كذلك . انتهى خازن . أقول : ولعلّ السبب في عدم تحريمه عند الشّافعي - رحمه اللّه تعالى - : أنّه قائم على النظر ، والفكر . ومثله ما يسمّى اليوم ب « الضّاما » . قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ أي : وزر عظيم ، والسّبب في ذلك ما قدّمته من ذكر المفاسد ؛ التي تنتج من تعاطيهما ، فالخمرة عدو للعقل ، فإذا غلبت على عقل الإنسان ؛ ارتكب كلّ قبيح ، ففي ذلك آثام كبيرة ، منها : إقدامه على شرب المحرّم ، ومنها : فعله مالا يحلّ فعله . وأما الإثم الكبير في الميسر ؛ فهو أكل المال الحرام بالباطل ، وما يجري بين المتقامرين من المشاتمة ، والمخاصمة ، والمعاداة ، وكلّ ذلك فيه آثار كثيرة ، وخطيرة . هذا ؛ وقرأ حمزة والكسائي : ( كثير ) وحجتهما : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لعن الخمرة ، ولعن معها عشرة ، كما رأيت فيما تقدّم ، وأيضا جمع المنافع يحسن معه جمع الآثام . وقرأ الباقون : كَبِيرٌ وحجّتهم : أنّ الذنب في القمار ، وشرب الخمر من الكبائر ، فوصفه بالكبير أليق . هذا ؛ وقد فسر الإثم في آية ( الأعراف ) رقم [ 33 ] بالخمرة ، واستدلوا بقول الشاعر : [ الوافر ] شربت الإثم حتّى ضلّ عقلي * كذاك الإثم يذهب بالعقول وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ : ربح الخمر بالتجارة ، فقد كانوا يجلبونها من الشّام برخص ، فيبيعونها في الحجاز بربح كبير ، فهذا أصحّ ما قيل في منفعتها ، وقيل : من منافعها : أنّها تهضم الطعام ، وتقوي الضّعيف ، وتعين على الباه ، وتسخّي البخيل ، وتشجع الجبان ، وتصفّي اللون إلى غير ذلك من اللّذة بها ، وقد قال حسان - رضي اللّه عنه - قبل إسلامه : [ الوافر ] ونشربها فتتركنا ملوكا * وأسدا ما ينهنهنا اللّقاء وأما منفعة القمار ، فهي مصير الشّيء إلى الإنسان في القمار بغير كدّ ، ولا تعب . وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما : أعلم اللّه - عز وجل - : أن الإثم ، والضّرر أكبر من النّفع ، وأعود بالضّرر في الدنيا والآخرة ، فالإثم الكبير بعد التّحريم ، والمنافع قبل التحريم ؛ فقد سلبهما اللّه جميع المنافع بعد التّحريم تحريما قاطعا ، ومن ظنّ : أن فيهما منفعة بعد التحريم فهو ناقص العقل ، والإيمان ، دخل الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على زوجه أمّ سلمة - رضي اللّه عنها - وهي تسقي بنتا لها مريضة شيئا من النّبيذ ، فقال لها : ما هذا ؟ قالت : إنّها مريضة ، وإنّي أداوي بها علّتها . فقال لها صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ اللّه لم يجعل شفاء أمّتي فيما حرّم عليها ، إنّها داء ، وليست بدواء » . ورحم اللّه من يقوله : [ السريع ] من جعل الخرم شفاء له * فلا شفاه اللّه من علّته وإنّ الخمر المحرّمة هي ما خامرت العقل ، وغطّته ، فمناط الحكم في التّحريم الإسكار ، لقول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « كلّ مسكر خمر ، وكلّ خمر حرام » . فكلّ ما أسكر تحت أيّ اسم ، وفي أيّ