الشيخ محمد علي طه الدرة

488

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

قال الكلبيّ - رحمه اللّه تعالى - : هذا من الّذي لا يفسّر . وسفيان بن عيينة - رحمه اللّه تعالى - قال : كلّ ما وصف اللّه به نفسه في كتابه ؛ فتفسيره قراءته ، والسكوت عليه ، وليس لأحد أن يفسّره إلا اللّه ، ورسوله . وكان الزّهري ، والأوزاعي ، ومالك ، وابن المبارك ، وسفيان الثّوري ، والليث بن سعد ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه - رضوان اللّه عليهم أجمعين - يقولون في هذه الآية ، وأمثالها : اقرؤوها كما جاءت ، بلا كيف ، ولا تشبيه ، ولا تأويل . هذا مذهب أهل السّنّة ، ومعتقد سلف الأمّة ، وأنشد بعضهم في المعنى : [ الطويل ] عقيدتنا أن ليس مثل صفاته * ولا ذاته شيء عقيدة صائب نسلّم آيات الصّفات بأسرها * وأخبارها للظّاهر المتقارب ونؤيس عنها كنه فهم عقولنا * وتأويلنا فعل اللّبيب المغالب ونركب للتّسليم سفنا فإنّها * ليسلم دين المرء خير المراكب المذهب الثاني : وهو قول جمهور علماء المتكلمين ، وذلك : أنه أجمع جميع المتكلمين من العقلاء ، والمعتبرين من أصحاب النظر على أنه تعالى منزّه عن المجيء ، والذهاب ، ويدلّ على ذلك : أنّ كلّ ما يصحّ عليه المجيء ، والذهاب ، ولا ينفكّ عن الحركة ، والسكون - وهما محدثان - وما لا ينفك عن المحدث ؛ فهو محدث ، واللّه تعالى منزّه عن ذلك ، فيستحيل ذلك في حقّه تعالى ، فثبت بذلك : أنّ ظاهر الآية ليس مرادا ، فلا بد من التأويل على سبيل التفصيل . فعلى هذا قيل في معنى الآية : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ أي : بالآيات ، فيكون مجيء الآيات مجيئا للّه تعالى على سبيل التفخيم لشأن الآيات . وقيل : معناه : إلا أن يأتيهم أمر اللّه ، ووجه هذا التأويل : أن اللّه تعالى فسّره في آية أخرى ، فقال : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ الآية [ 33 ] من سورة ( النحل ) ، فصار هذا الحكم مفسرا لهذا المجمل في هذه الآية . قال ابن تيميّة - رحمه اللّه تعالى - في رسالته التدمرية : وصفه تعالى نفسه بالإتيان في ظلّ من الغمام كوصفه بالمجيء في آيات أخر ، ونحوهما مما وصف به نفسه في كتابه ، أو صحّ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، والقول في جميع ذلك من جنس واحد ، وهو مذهب سلف الأمّة ، وأئمتها ، إنّهم يصفونه سبحانه بما وصف به نفسه ، ووصفه به رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم من غير تحريف ، ولا تعطيل ، ولا تكييف ، ولا تمثيل ، والقول في صفاته كالقول في ذاته ، واللّه تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لا في ذاته ، ولا في صفاته ، ولا في أفعاله ، فلو سأل سائل : كيف يجيء سبحانه ؟ فليقل له : كما لا تعلم كيفية ذاته ، كذلك لا تعلم كيفية صفاته . انتهى . صفوة التفاسير . وانظر ما ذكرته رقم [ 7 ] من سورة ( آل عمران ) ، فله اتصال بمعنى هذا الكلام . أقول : وإنما ذهب جمهور العلماء من المتكلّمين إلى ما ذهبوا في العصر العباسي حينما كثرت الفرق الإسلامية الضالّة ، وكثرت البدع ، والآراء الشاذّة ، فتصدى هؤلاء إلى تزييف تلك