الشيخ محمد علي طه الدرة

487

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

إلا أن يأتيهم اللّه ؛ أي : أمر اللّه ، أو عذابه . فالكلام على حذف مضاف ، مثل قوله تعالى في سورة ( الحشر ) : فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا أي : بخذلانه إياهم . فِي ظُلَلٍ جمع ظلّة ، كقلة ، وقلل ، وهي ما أظلّك ، وعلاك ، وتجمع ( ظلة ) جمع مؤنث سالما : ظللات ، وأنشد سيبويه قول النابغة الجعدي - رحمه اللّه تعالى - : [ الطويل ] إذا الوحش ضمّ الوحش في ظللاتها * سواقط من حرّ وقد كان أظهرا وظلال : جمع ظل في الكثير ، والقليل : أظلال . مِنَ الْغَمامِ هو السّحاب الأبيض ، وإنّما يأتيهم العذاب فيه ؛ لأنّه مظنّة الرّحمة ، فإذا جاء العذاب منه ؛ كان أفظع ؛ لأنّ الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب ، كان أصعب ، فكيف إذا جاء من حيث يحتسب بالخير ، قال تعالى في بيان عذاب قوم هود - على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام - : فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا ، قال تعالى : بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ الآية رقم [ 24 ] من سورة ( الأحقاف ) . وَالْمَلائِكَةُ أي : وتأتيهم الملائكة . ففي تفسير ابن كثير : أي : ما ينتظرون شيئا إلا أن يأتيهم اللّه يوم القيامة لفصل القضاء بين الخلائق ؛ حيث تنشقّ السّماء ، وينزل الجبار - عزّ وجل - في ظلل من الغمام ، وحملة العرش ، والملائكة الذين لا يعلم كثرتهم إلا اللّه ، ولهم زجل من التسبيح ، يقولون : سبحان ذي الملك ، والملكوت ! سبحان رب العرش ، والجبروت ! سبحان الحيّ الذي لا يموت ! سبحان الّذي يميت الخلائق ، ولا يموت ! سبّوح قدوس ، ربّ الملائكة والرّوح . و وَقُضِيَ الْأَمْرُ أي : انتهى أمر الخلائق بالفصل بينهم ، كما قال تعالى : فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ الآية رقم [ 7 ] من سورة ( الشورى ) ، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [ 39 ] من سورة ( مريم ) على نبينا ، وعليها ألف صلاة ، وألف سلام . وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ : هو مثل قوله تعالى : أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ رقم [ 53 ] من سورة ( الشورى ) وقوله جلّ ذكره في كثير من الآيات : إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ والمقصود : تصوير عظمته تعالى يوم القيامة ، وهولها وشدتها ، وبيان : أن الحاكم فيها هو ملك الملوك جلّ وعلا ؛ الذي لا معقّب لحكمه ، ولا رادّ لقضائه ، وهو أحكم الحاكمين . بعد هذا فخذ ما يلي : قال الخازن - رحمه اللّه تعالى - : واعلم : أنّ هذه الآية من آيات الصّفات ، وللعلماء في آيات الصّفات ، وأحاديث الصّفات مذهبان : أحدهما : وهو مذهب سلف هذه الأمة ، وأعلام أهل السنّة : الإيمان ، والتسليم لما جاء في آيات الصّفات ، وأحاديث الصّفات ، وأنّه يجب علينا الإيمان بظاهرها ، ونؤمن بها كما جاءت ، ونكل علمها إلى اللّه ، وإلى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، مع الإيمان ، والاعتقاد بأنّ اللّه تعالى منزّه عن سمات الحدوث ، وعن الحركة والسّكون .